شعار قسم مدونات

الربيع السعودي بعيون أمريكية

Blogs- trump
في لقاء امتد لساعات ليل الخميس الماضي، كان الصحفي الشهير توماس فريدمان ضيفاً على مأدبة عشاء في القصر الملكي بالعوجا شمال الرياض مع محمد بن سلمان وإخوته، خرج فريدمان من اللقاء الممتد حتى ساعات الصباح الأولى بفرحة غامرة، ليبشر في تقرير صحفي طويل بأنه لم يكن يتخيل أنه سيعيش بما فيه الكفاية ليتسنى له أن يكتب أن عملية الاصلاح الأهم في الشرق الأوسط بدأت أخيراً في السعودية.

  

وعلى خلاف الربيع العربي الذي يرى فريدمان أنه "أثبت فشله بشكل فادح" فإنه يعتبر أن ولي عهد السعودية الشاب يقود اليوم عملية إصلاح مختلفة، "إن كُتب لها النجاح فلن تقلب موازين السعودية وحسب، إنما ستغير أيضاً معنى ومفهوم الاسلام في جميع أرجاء العالم"، ويتابع "الحمقى فقط من سيتخلفوا عن تشجيع هذا الإصلاح".

 

ولعل السؤال الأهم وأنت تقلّب نظرك بين سطور المقابلة المطوّلة، هو عن السر الذي يجعل صحيفة ليبرالية مثل نيويورك تايمز تصف ممارسات ابن سلمان القمعية والمتهورة بأنها "إصلاح" تسعى لتلميعه والاستماتة في اقناع القارئ أن الشعب السعودي بأكمله يقف خلفه، ولماذا صار "الربيع السعودي" وفق وصفة ابن سلمان تركيبة محببة أمريكياً إلى هذه الدرجة؟ هل لأن "الإصلاح" المذكور بدأ باختطاف الفاسدين من علية القوم والتحقيق معهم -ولو خارج نطاق القانون-؟ وماذا عن مطالب الشارع القانونية بمحاربة الفساد والاستبداد في مصر وسوريا وتونس وليبيا واليمن التي تصدّت لها أمريكا وأدواتها في المنطقة؟

  

يبدو جواب السؤال أبعد كثيراً عن ثنائية الفساد والاصلاح، ولأن ابن سلمان يدرك ذلك جيداً فقد أراد مغازلة فريدمان ومن خلفه من صناع القرار الأمريكيين، وربما من غير الأمريكيين، بقوله إن السعودية اليوم مصممة على القضاء على "هتلر الجديد في المنطقة: خامنئي إيران". وتابع ابن سلمان أنه "تعلم مما حدث في أوروبا، ولن يسمح بتكرار ذات الشيء الذي فعله هتلر هنا في الشرق الأوسط". ولعل هذه العبارة التي قيلت على غفلة، وبكل بساطتها أو ما قد تبدو عليه من "فهلوة" وفق تفسير جوقة المطبّلين، تعيد رسم المشهد في أكثر لحظات المنطقة تعقيداً، هتلر جديد مقابل ضحايا مفترضين، ويا للعجب هم ليسوا أطفال سوريا واليمن إنما يشبهون ضحايا هتلر في أوروبا، وفي زاوية المشهد ملك طموح يحث الخطى نحو "إسرائيل" للجم هتلر الشرق.

 

لعل التاريخ سيسجل أن ملكاً شغوفاً بالعرش قضى على إرث مملكته الطويل في قيادة العالم الاسلامي نظراً لاستعجاله وفردانيته
لعل التاريخ سيسجل أن ملكاً شغوفاً بالعرش قضى على إرث مملكته الطويل في قيادة العالم الاسلامي نظراً لاستعجاله وفردانيته
  

ولعل هذا ما تبدو عليه فعلاً خارطة المنطقة المنهكة على وقع تدافع مشروعي هيمنة إيراني وآخر غربي- إسرائيلي، وبينهما كيانات قبلية وأمنية تعرّف نفسها على أنها "دول سنية"، فشلت مرة تلو مرة في اجتراح مشروعها الخاص، فاختارت في لحظة مكاشفة أن تفصح عن جذر عدائها وتحشيدها الفارغ من الانجاز ضد المشروع الإيراني، لا بكونه مشروع هيمنة تتم مواجهته بتقوية الصف السني ودعم مكوناته السياسية، إنما بكونه مناقضاً للمشروع الغربي-الإسرائيلي التي تتموضع قيادة الدول السنية في قلبه.

 

وبدا يُفهم التقارب السعودي المحموم مع "إسرائيل" اليوم بوصفه سبباً أصيلاً وسابقاً على أية اعتبارات، لا نتيجة اضطرت لها لصدّ إيران، وإلا فمن غير الممكن تفسير أي من السياسات السعودية خلال العقد الأخير ابتداءً من تسليم العراق على طبق من ذهب للمليشيات الشيعية، ثم دعم الانقلاب والفوضى في أهم دولة وأكبر دولة عربية سنية، ثم التمكين للحوثيين في اليمن لقطع الطريق على حزب الإصلاح السني، والزهد في تقوية العلاقات مع تركيا السنية، والضغط اليوم على المعارضة السورية للقبول ببقاء نظام الأسد، والمغامرة بإضعاف الحليف السني في لبنان، وأخيراً حصار قطر السنية ودفعها دفعاً نحو إيران.

 

بعد إعادة تعريف العلاقة بين السعودية وإيران وفق ثنائية التنافس الإيراني-الاسرائيلي على المنطقة، ومعرفة موقع السعودية ودورها في سياق هذا التنافس، تماما كما هو دورها في احباط أي مشروع سني أصيل ينتشل المنطقة من أطماع إيران و"إسرائيل"، يزول الالتباس عن كثير من مواقف السعودية التي بدت لنا يوماً متناقضة جداً أو غبية جداً، والحال أن جميعها كانت منذ اللحظة الأولى تصب في المسار والدور الذي اختارته لنفسها منذ سنوات. وإن كان من مشهد لعدم الحكمة أو الخروج عن المألوف في جُملة المواقف السعودية، فهو الإسفار الأخير عن حقيقة توجهاتها دون مواربة على عكس سلوكها وحذرها السابق، ولعل التاريخ سيسجل أن ملكاً شغوفاً بالعرش قضى على إرث مملكته الطويل في قيادة العالم الاسلامي نظراً لاستعجاله وفردانيته.

 

المكاشفة الرسمية السعودية إلى حد التورط في التناغم الفج مع المواقف الاسرائيلية التي باتت تُفصح أن العقبة أمام التطبيع العربي-الإسرائيلي هي الشعوب وليس الحكام، والرد على مثل هذه التصريحات ليس بالتكذيب أو الاستنكار، إنما بإطلاق الحملات الإلكترونية الجارفة التي تحظى برعاية شبه رسمية من قبيل "سعوديين مع التطبيع" و"الرياض أهم من القدس"، و "فلسطين لم تعد القضية"، يضعنا كشعوب عربية وكمفاعيل سياسية أمام واقع جديد يفرض إعادة تقييم مواقفنا واصطفافاتنا، وحري بنا أن نكون منفتحين على دراسة كل الخيارات والسيناريوهات بما فيها الصادمة والمستهجنة سابقا، فلا شيء صادم ومستهجن أكثر من إشعال الحرائق في المنطقة واللعب بمصائر ومستقبل الشعوب لمجرد تبرير التطبيع مع "إسرائيل".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.