لماذا التفاعل مع التدوين الاجتماعي؟

Blogs- writting
نشرتْ مدونات الجزيرة مؤخرًا مسحًا أوضحتْ فيه نسبًا رقميّة مئويّة لمجالات المدونات المنشورة وتصنيفها خلال الأربعةِ شهورٍ الماضية، وبالمقابل تمّت مقارنة نسب هذه المدونات المنشورة وفقًا لانتمائها لأيّ حقلٍ ومجال، بنسب تفاعل الجمهور مع ذات الحقول، ما يُبيّن أيّ من المجالات تتربعُ على عرش اهتمام القارئين والمتابعين والمتفاعلين من مختلف مناطق الوطن العربيّ حقيقةً دون علاقة للكمّ المنشور في هذه المنصّة.

جاءت أبرزُ نسب الموضوعات الصادرة عن المدونات كما يلي: اعتلى الحقلُ السياسيّ قائمة المدونات المنشورة بنسبةِ 33.4%، تلتها المواضيع الاجتماعيّة ثانيًا بتقدير 27.25%، اما التجارب الشخصيّة فقد حصلت على المرتبة الثالثة وهي 12.33% من مجمل النشر، الأدب والنقد حصل على نشرٍ بلغ 11.97%، أمّا الحقل المعرفيّ 3.94%، وتعليم وجامعات 1.68%.

ولكن تفاعل الجمهور لم يكُن متوافقًا ومتناسبًا مع نسبِ النشر السابقة، حيث تغلّبت المواضيع الاجتماعيّة على كافة المجالات السياسية والأدبيّة والثقافيّة والاقتصاديّة الأخرى، وتقدمت على السياسيّة منها، ليتفاعل الجمهور مع الشق الاجتماعيّ بنسبةِ 30% لتتصدر المواضيع الاجتماعيّة رأس الهرم في المدونات المُتفاعل معها، بينما لم يتفاعل الجمهور مع المواضيع السياسيّة إلّا بنسبةِ 21% رغم ما تعيشهُ الأوطان السياسيّة من أزمات سياسيّة وحروب، حيث تدنّى تفاعل الجمهور مع المحتوى السياسيّ بنسبةِ 12.4% مقارنةً بمعدل النشر، وهو فارق لا يُستهان به، من هنا يطفو السؤال على السطح، لماذا هذا التفاعل مع الشقّ الاجتماعيّ دون السياسيّ في دولٍ تعيشُ أعتى الأزمات السياسيّة؟

التدوين في الفضاء الإلكترونيّ العربيّ، اليوم، منح كافة الفئات المجتمعيّة، خاصةً تلك المهمّشة، حقها في التعبير عن آرائها والتفاعل مع المواضيع التي تشغلها

لا يمكن تحليلُ المعطيات السابقة، إلا بالعودة إلى معنى التدوين الذي بدأ في عصورٍ غابرة في القِدم، حيثُ كان شكلهُ الأوّل في حفرِ الشعوب على الصخرِ والجبال والخشب لحفظِ رسومٍ وحركاتٍ تدلل على أفكار ومشاعر وأقوال للحفاظ عليها، ومع مرور الزمن تطوّرت اشكال هذا التدوين مع تطور علاقة الإنسان باللغة والحضارة، وما يعنينا هنا علاقة الإنسان بالحرف المكتوب، خاصةً علاقة الشعوب التي عانت من صراعاتٍ طويلة لنيل حريتها مع طرق التعبير عن ذاتها وكيف استخدمت هذه العلاقة بالمعلومة للتحرر.

تجربة الدول الأوروبيّة التي حُرمت طويلًا من علاقتها بالحرف والمعلومة هي خير مثال، فحتى القرن السادس عشر، عصر الإصلاح، منع الكهنة المواطنين من قراءة الكتاب المقدس كي تسود سلطتهم على الناس بفرض صكوك الغفران وسواها من الممارسات القمعيّة، لأنهم كانوا يدركون أنّ المعرفة أوّل باب للتحرر. اذكرُ في العاصمة الألمانيّة برلين أنني استمعتُ إلى إحدى المختصات وهي تشرحُ أنّ عمليّة طباعة الكتاب المُقدّس حينها لم تكُن سهلة، فعملَ أحد الثوريين على طباعته بآلاف النسخ بحجمِ كفّ اليد حتى يتمكن العامّة من تخبئتهِ وتهريبهِ بين ثيابهم وقراءته في الخلسة. وبعد الطبع والنشر وصل الأوروبيون إلى المعلومات والحقائق، حينها تحرروا من السلطة القمعيّة للكنيسة، وهذه ليست صدفة.

بالتأكيد لا تعاني الشعوب العربيّة اليوم من صعوبة الوصول إلى المعلومة، فهناك شاسع كبير بين كلا التجربتين، ففي ظلّ الانفتاح الإلكترونيّ في هذا القرن لا توجد معلومات مخفيّة حتى وإن حاولت بعضُ الدول حجب مواقع عدّة وفقًا لسياساتها، سيظل المواطن قادرًا على الوصول إلى المعلومات إن ارادَ ذلك! وبالطبع إنّ المعرفة التي تحملها المدونات هي ليست المعرفة المُطلقة ككتابٍ دينيّ مثلًا، بل هي الثقافة الجديدة الملاصقة للثورات العربيّة في تدوين الأفكار لتداولها ونقاشها، فالتدوين في الفضاء الإلكترونيّ العربيّ، اليوم، منح كافة الفئات المجتمعيّة، خاصةً تلك المهمّشة، حقها في التعبير عن آرائها والتفاعل مع المواضيع التي تشغلها، هذه الفئات التي تتطلعُ إلى عدالة اجتماعيّة لا تقلّ عن العدالة السياسيّة، بل ربما تتطلعُ إلى الاجتماعيّة بعينٍ أوسع.

الحياة السياسيّة للمجتمعات ما هي إلا انعكاس للممارسة الاجتماعية، فالمجتمعات القبائليّة والعشائريّة والطائفيّة ينتجُ عنها في الغالب حُكم سياسيّ دكتاتوريّ
الحياة السياسيّة للمجتمعات ما هي إلا انعكاس للممارسة الاجتماعية، فالمجتمعات القبائليّة والعشائريّة والطائفيّة ينتجُ عنها في الغالب حُكم سياسيّ دكتاتوريّ

هذه الفئات بدأ تأثيرها بالظهور في المواضيع ونسب التفاعل لأنّ صوتها أصبحَ مسموعًا أكثر من ذي قبل، فمع الثورات العربيّة، رغم ما فعلته في المنطقة من دمار، أصبحَت مفاهيم حرية التعبير عن الرأي أوضح وبات الصوتُ أعلى، لكن هذه المفاهيم مازالت تحتاجُ إلى نقاش وتدوين وتداول وحوار وبحث، وهذا ما منحته المدونات للفئات التي لم يسبق لها التعبير عن ذاتها وهمومها، أصبحت تستطيع المشاركة في هذه العمليّة الفكريّة رغم ما تحمله من تخبطات، إن لم يكُن بالكتابة، بالنشر والتعليق وإبداء الرأي حول موقفها، وها هي أصبحت تتصدرَ قائمة التفاعل بسبب الحاجة الملحّة للتداول بالشقّ الاجتماعيّ الذي يمسّها يوميًا.

الفصلُ بين السياسة والاجتماع فعل صحيّ، ولكن في الواقع المجتمع سليم القوام ينتج عنه سياسيّون صحيحو القوام أيضًا، ما يعني أنّ الحياة السياسيّة للمجتمعات ما هي إلا انعكاس للممارسة الاجتماعية، فالمجتمعات القبائليّة والعشائريّة والطائفيّة ينتجُ عنها في الغالب حُكم سياسيّ دكتاتوريّ للفئة المسيطرة وتهميش وتعنيف للفئات الأخرى الأضعف، هذه الحلقة من العنف السياسيّ تبدأُ من الاستضعاف الاجتماعي في حين تغيب فيه دولة القانون ليصبح العنف هو القانون، وإن كانت بالمسمّى دولة قانون فهي غير ذلك واقعًا فبعض الدساتير حبر على ورق، فيستضعف الرجل المرأة، ويسود الغني على الفقير، يعذب المدير عمّاله والمعلِّم طلابه حتى يكرهوا العلم والعمل وتسود الفوضى والبطالة والمحسوبيّة.

العنف السياسيّ والاجتماعيّ توأمان، وكقارئة للمشهد، لا يُمكنُ تحليل المطالبة بالعدالة السياسيّة والحكم الديمقراطيّ في المجتمعات العربيّة دون المطالبة بدولة القانون العادلة الحامية لحقوق الفرد الاجتماعيّة قبل السياسيّة، إنّ حق الاقتراع للفرد العربيّ واختيار رؤساءه وحكومته وممثليه هو جزء بسيط من تلك الحرّية التي ينادي بها المواطن العربيّ، بل إنّه مازال بتخبّط في شكل تلك الحرّية الاجتماعيّة والسياسيّة التي يريد، هل هي أكثر تدينًا أم انفتاحًا؟ دول دينيّة أم علمانيّة؟ ولكنّه بالتأكيد يطمحُ إلى عدالةٍ اجتماعيّة وسياسيّة تصون له كرامته، حرّيته الفرديّة، أمنه، سلامته، وحقوقه المدنيّة.