شعار قسم مدونات

الشيزوفرينيا وجنون العظمة.. أمراض تصيب المؤسسات

BLOGS - شركات

أصرّ عليّ صديقي المقرب وكان يعمل آنذاك في منظمة خيرية أن أرافقه في زيارة تعارف إلى إحدى المؤسسات التي تعمل في نفس المجال، وأثناء الزيارة قمنا بالتعريف عن أنفسنا، وعندما قام الفريق الآخر بالتعريف عن نفسه، فوجئنا أن جميع الحاضرين في الاجتماع وكان عددهم خمسة هم مديرو المؤسسة، بينما لم يكن لدى تلك المؤسسة إلا شخصين أو ثلاثة برتبة موظفين.
 
يُذكر أن المؤسسة نفسها بدأت نشاطها بمديرَين وموظفَين، ولكن مع تطور العمل وزيادة ضغوطاته اضطرت المؤسسة لتعيين المزيد من المديرين إلى أن وصل عددهم إلى خمسة. ومنذ ذلك الحين يعمل المديرون على عقد اجتماعات دورية لدراسة آليات زيادة الإنتاج وتنمية الموارد والوصول إلى العالمية.
 

ما بين النمطين الأوتوقراطي والفوضوي

على عكس النمط الحداثي المتمثل في إعادة تشكيل هيكل العمل داخل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وجعله أكثر مرونة وانسيابا وديموقراطية، والتخفيف قدر الإمكان من عدد المديرين، أو حتى في بعض الأحيان التخلي عنهم بشكل تام ومدروس، بعد تحقق جملة من الشروط المهمة في العاملين، كما فعلت العديد من المؤسسات والشركات العالمية مثل دار زد للنشر والصناعية الكبرى غور وغيرهما الكثير، تتجه العديد من المؤسسات العربية في إدارتها إلى الارتجال في إدارة المؤسسة، واستحداث أنظمة وهياكل وأنماط إدارية ما أنزل علم الإدارة بها من سلطان، وعلى سبيل ذلك مثلاً، جمع النمطين الإداريين الأوتوقراطي الاستبدادي والفوضوي المتسيب معاً في آن واحد، وبشكل لا مثيل له.
 
يتمثّل هذا النمط العربي الفريد من نوعه في زيادة عدد المديرين ومضاعفة مستويات التسلسل الهرمي داخل المؤسسة، وتكريس الحواجز البيروقراطية بين المديرين والموظفين، والتمسك أكثر وأكثر بالمسميات الوظيفية كعناوين فقط، دون تحديد الأدوار الحقيقية لكل فرد داخل المؤسسة، فتضيع جهود وحقوق المخلصين من الموظفين، وتنصهر مع تقصير المستهترين من المديرين.
 
ومن سمات ذلك النمط أيضاً، ترك الحرية للمرؤوسين أحياناً في اتخاذ القرارات والقيام بأعمالهم بشكل مستقل دون مشاركة المديرين، وفي بعض الأحيان تقييدهم وعدم السماح لهم بصنع القرارات أو حتى المشاركة فيها، وتحويلهم إلى مجرد روبوتات تستقبل أوامر المبرمجين، وتدار وتحرك كيف ووقتما تشاء الإدارة، فيضطر المرؤوسون إلى ممارسة نشاطاتهم بحذر وحريّة مقيّدة، ما يتسبب في إحباطهم وكبت إبداعهم وامتصاص طاقتهم وفي كثير من الأحيان تقليص إنتاجهم الفعلي.

 

undefined

 

التناقض والوهم الزائد

ومن الأمراض النفسية والعقلية التي تصيب المؤسسات العربية في عصرنا الحديث مرض التناقض الواضح بين الأهداف الواسعة للمؤسسة وعقليتها الإدارية المنغلقة، وخلطها بين الواقع والخيال، والتوهم الزائد في ذات المؤسسة، والمبالغة في تقدير حجمها ومكانتها وإمكاناتها، والرغبة المستميتة في تقليد المؤسسات العالمية الكبرى والتوهم في منافستها، والتسرع، برغم هشاشة إدارتها وضعف إمكاناتها وبساطة كوادرها وركاكة العلاقة بينها وبين موظفيها، في الانفتاح على عدد كبير من الأسواق من خلال تسويق منتجاتها العادية وتصوير نفسها على أنها الكيان الأهم والأمثل والأكثر جدارة. 
 
وهذا بدوره يؤدي في كثير من الأحيان إلى حدوث فقاعة في قيمة المؤسسة، ومرورها بمرحلة الصعود السريع متبوعة بمرحلة الاضمحلال السريع، ولهذا السبب يركز علم الإدارة دوماً على أهمية التقييم الحقيقي والنقد المنطقي لعقل المؤسسة، النقد المصحوب بجملة الإجراءات التصحيحية وعمليات التطوير الذاتي، بالإضافة الى ضرورة الوقوف على الإشارات الضوئية الحمراء والخضراء والبرتقالية في عمر المؤسسة وإعطائها حقّها من الوقت كي تتجنب الحوادث، ولا تتسبب لنفسها ولمن حولها بالضرر والتعطيل.

 

العلاج من المرض

الشيزوفرينيا وجنون العظمة أمراض نفسية وعقلية تصيب المؤسسات كما تصيب البشر، ويمكن علاجها وتخفيف حدّتها من خلال، أولاً: الاعتراف بوجود مرض في كيان المؤسسة والاقتناع بالحاجة الملحة إلى علاجه بشكل عاجل.

 
ثانياً: الخضوع إلى استشارات نفسية، وعرض الحالة على خبراء إداريين ولجان تقييم خارجية، والتعاقد مع متخصصي الهندسة وهندسة العمليات الإدارية، من أجل إعادة تشكيل هيكل العمليات ومعالجة الخلل في الأداء التنظيمي بشكل جذري وحقيقي، واعتماد نمط إداري حداثي واضح المعالم، يتناسب مع معطيات وإمكانات وأهداف المؤسسة.

 
ثالثاً: المباشرة بعمليات التأهيل وتطوير القدرات والمهارات، والبدء من رأس الهرم التنظيمي إلى أسفله، وتمكين العلاقات مع المجتمع الداخلي والخارجي معاً بشكل سليم ومستقر.