شعار قسم مدونات

اللاجئ.. الصورة الحديثة للمهزومين

blogs - the other side of hope الجانب الآخر من الأمل

الهزيمة تخلو من أي شاعرية، أفضل بشكل شخصي أن أحيا حياة عادية تنتهي بموت باهت، على أن أكون بطلًا مهزومًا يعيش وحيدًا في الغربة، أفضل أن أموت حيث أنتمي بلا صخب على أن أعود من المنفى في تابوت ملتف بعلم بلادي ويعزف لرفاتي النشيد الوطني بعد انتصار ثورة لم أكن جزءا منها، الملحمة ليست شاعرية كذلك طالما كنا وقودها، لذلك اللاجئ هو صورة الإنسان المهزوم كما يرى كوريسماكي، لم يكن من المفروض على بطله أن يكون ثائرًا فارًا من جحيم شبيحة الأسد، يكفي جدًا أن يكون إنسانا عاديا يعود من العمل ليجد منزله صار حطامًا يستخرج جثث ذويه من بين أنقاضه، لم يكن غريبا أبدا أن ذلك الفار بحياته ليس مهتما بمتابعة أخبار الثورة السورية، ولا مشغولا بالوطن الذي بات ركامًا، وأن كل ما يشغله هو العثور على أخته، لم يكن مهما على الإطلاق أن يصارع همجية العنصرين تجاهه ولا أن ينتصر عليهم ولا حتى يوسعهم ضربا ضمن قتال بالأيدي حتى ينهزم بشرف، لأن الهزيمة هي الهزيمة في نهاية المطاف، محاولته البقاء حيا صراع كافٍ جدًا بالنسبة لي، وبالنسبة لكوريسماكي كذلك.

 

يحكي الفيلم عن خالد ذلك الشاب السوري الذي يعود من العمل ليجد منزله قد صار حطامًا، لم ينجو من أهله سوى أخته التي ذهبت لإحضار الخبز قبل وقت قليل من الفاجعة، خطيبة خالد كانت قد لقيت حتفها قبل ذلك، يقرر خالد اللجوء إلى أوروبا رفقة أخته، يفقدها على الحدود الهنغارية، يغلبه النعاس في باخرة لشحن الفحم بعد يوم قضاه في مشقة البحث عنها، يستيقظ ليجد نفسه في فنلندا، يحاول الحصول على طلب لجوء هناك، لكن طلبه يقابل بالرفض، لأن حلب المنطقة التي كان يسكنها خالد قبل أن تتحول لمقابر جماعية، لم تكن إحدى المناطق المهددة بحسب الحكومة الفلندية، بعد ذلك مباشرة نسمع في إحدى نشرات الأخبار عن قصف للنظام في المدينة نفسها، ينتقد كوريسماكي بهدوء وبدون خطابية فجة موقف أوروبا من اللاجئين، ليس فقط موقفها الرسمي من خلال الحكومات، لكن موقف بعض أهلها من العنصريين كذلك، يطعن أحدهم خالد بسكين.

 

 

لا يهتم خالد بأي شيء له علاقة بسوريا منذ وصوله لفلندا، غير مهتم بأخبار الثورة ولا زحف النظام السوري، يضع شبيحة الأسد والثوار وداعش وأمريكا وروسيا في جملة واحدة، كلهم بالنسبة إليه مسؤولون عن مصيره بلا تفرقة، كل ما يشغله الآن هو العثور على أخته، ووطن بديل يجمعهما معا، اتهم البعض كوريسماكي بأنه يعوم القضية السورية، ولا يلقي باللوم على مستحقيه، لكن في الحقيقة ذلك الفنلندي الستيني، لم يكن مشغولا بالانحياز لأحد الأطراف ولا إدانتها، كان مشغولا فقط بالإنسان المهزوم الذي خلفته كل تلك الأحداث ورائها، فهو كفنلندي يرى أنه معرض لأن يكون لاجئا غدا، لذلك هو يحتاج ذلك النوع من التضامن الإنساني.

 

يعتبر البعض موقف كوريسماكي تجاه معاملة أوروبا للاجئين غامضا، فهو يدين الحكومة التي ترفض منح خالد اللجوء، ويدين عنصرية المجتمع الذي يهاجم خالد، لكن موقف مجموعة من المشردين الذين هبوا لمساعدة خالد وإنقاذه من أيدي العنصرين كان مربكا للبعض، هل يدين كوريسماكي عنصرية المجتمع الأوروبي أم يبحث عن صورة متوازنة لبني جلدته؟، الحقيقة أن كوريسماكي لم يكن مشغولا بذلك الصراع أيضا، لذلك هو لا يعلن مواقفه بخطابية أو مسرحية فجة في صراع لا ناقة له فيه ولا جمل، خروج المشردين للدفاع عن خالد لم يكن معبرًا عن موقف المجتمع الأوروبي من اللاجئ، بل كان نوعا من التضامن الإنساني العام، يأتي ذلك التضامن من خلال المشردين تحديدا، لأنهم يعيشون مأساة خالد نفسها، فهم بلا مأوى ويعيشون على هامش المجتمع وعلى هامش السلطة وعلى هامش الصراع وعلى الهامش من كل شيء، كل ما رأوه إنسان بلا مأوى -مثلهم تماما- يتعرض للتنكيل.

 

ذلك الشعور بالتضامن كان معزولا عن أي سياق سياسي أو أي موقف يحمل معنى أكبر من حقيقته، هو الشعور العام والمتبادل بين إخوة الهزيمة والقهر، لذلك عندما يخطو خالد خطواته الأولى في فنلندا ويمر بأحد المشردين يعزف الموسيقى طلبا للمال، يضع خالد يده في جيبه ليعطيه ما معه من مال، هو نوع من تعاطف المقهور مع أمثاله إذا، كل ما أراد كوريسماكي قوله إن خالد هو لاجئ اليوم، وأنه من الممكن أن نصبح نحن لاجئين غدًا، لذلك علينا أن نتعامل مع لاجئ اليوم من هذا المنطلق.

 

undefined

 

اتساقا مع طرح كويسماكي لأزمة الإنسان المقهور الذي يبحث فقط عن النجاة، والحياة العادية بلا أي رغبة في انتصار بطولي أو هزيمة ملحمية، يقدم كذلك الكوميديا في أبسط صورها، لا يصبغها بأي طابع ساخر أو عنيف أو ناقم على العالم، ببساطة لا يحاول فلسفة الضحك، الكوميديا مع كوريسماكي لا تحتمل أكثر من معناها، كوميديا تنتمي للحياة، أي حق الإنسان العادي في الضحك كرغبة في مواصلة الحياة ليس أكثر.

 

عندما يذهب صاحب المطعم الفنلندي ليجد خالد ينام في باحة مطعمه الأمامية مستلقيا بجوار صندوق القمامة الخاص بالمطعم، تحدث بينهما مشادة كلامية تتطور إلى عراك مضحك بالأيدي، ليفاجئنا في المشهد التالي مباشرة بخالد يتناول الطعام في مطعم الرجل الفنلندي نفسه، وعندما تهاجم الشرطة المطعم يخبئ العاملون فيه خالد في الحمام رفقة كلب، خالد ليس مصرحا له التواجد في فنلندا من الأصل والكلب ممنوع تواجده بالمطاعم، وبعد مغادرة الشرطة بفترة يتذكر العاملون أنهم نسوا خالد داخل الحمام فيهموا بإخراجه يسخر خالد من الموقف بأنه لم يشعر بالملل لأنه قضى الوقت في إقناع الكلب باعتناق الإسلام، المفارقات التي يتعرض لها خالد تجبرك على الضحك رغم مأساويتها، وهو ضحك غير متبوع بأي تأنيب ضمير أو شعور بالذنب للضحك على مشاهد بهذا البؤس، لأن خالد نفسه يضحك، لأن الحياة لابد من أن تستمر. "فالسعادة التي يُمكن تحصيلها من عالم سوداوي أهم بكثير من تلك التي تأتي على طبق من فضّة".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.