وقد ظل هذا السؤال يشكل إلى يومنا هذا معضلة لم يكتب لها أن تُحل بالنظر للانقسام الحاد الذي أفرزته بين فريقين متصارعين فكريا وسياسيا، تحت مظلتين إيديولوجيتين تستميت كل منهما في القيام على نبذ الآخر، وهما الأيديولوجيا الحداثية والأيديولوجيا الإسلامية.
الأولى ترى النموذج الغربي حريا بالاتباع حد المماهاة مع ما يستتبع ذلك من تحييد للدين من المجال العام، والثانية ترى في العلمانية شرا مستطيرا يستهدف النيل من العقيدة ومن ثم فبالنسبة لهذا الفريق إنما يتمثل النموذج التنموي الأمثل في الحرص على العقيدة الإسلامية المتآمر عليها، والرجوع إلى هدي الإسلام الذي وعلى عكس المسيحية يعتبر دينا ودولة.
تظهر العلمنة هنا كآلية تُفقد الدين رؤيته المهيمنة على المجتمع، بحيث يصبح تبيين وتنظيم الأمور الدنيوية مستندا على الجوانب العقلية الاستدلالية لا على الأمور الميتافيزقية |
أجيال عديدة تعاقبت من هذا الفريق وذاك للذود عن أطروحتها، ولا شك أن السياقات السياسية كان لها بالغ الأثر في هذه المناظرات الفكرية ذات الطابع اللاهوتي، ومما لا شك فيه أيضا أن الثمار المادية للحداثة الغربية بدات تأخذ طريقها إلى العالم العربي تزامنا مع تطور تمدنه، الشيء الذي قد يوحي إلى عين الناظر بأن العرب قد دخلوا في المشروع الحداثي، غير أن الأمر أبعد ما يكون عن الصحة، فالعالم العربي لم يأخذ من الحداثة الغربية سوى قشورها المادية، في حين هو ما يزال في عمقه الثقافي والسياسي ينهل من ذهنية تقليدية تستكين إلى الماضي، ومن هنا كان التنازع شديدا بين فريقي "الإسلام هو الحل" و"العلمانية هي الحل".
الفريق الإسلامي وإن كان يقر بحالة التخلف فإنه لا يرجعها لأي جمود أو تسلط ديني، وإنما يرجعها على العكس من ذلك للابتعاد عن تعاليم الدين، تأثرا بالحداثة الغربية التي تمس في كثير من مظاهرها صلب العقيدة الإسلامية، زد على ذلك أنه لا يرى في المشروع الغربي نموذجا قابلا للتطبيق على الإسلام، فالعلمانية -بحسب هذا الفريق- هي ظاهرة غربية جاءت متمخضة عن الصراع بين الكنيسة والمجتمع الأوروبي.
فمنذ القرن الرابع الميلادي الذي تم فيه تبني المسيحية كدين رسمي أخذت الكنيسة تنزع تصاعديا نحو ممارسة وصايتها على العباد، الذين لم يكن لهم الحق في الاتصال المباشر بالله والتضرع إليه إلا من خلال واسطة البابا ورجال الدين، مما أدى إلى استشراء حالة من الاستبداد التي يتم التعويض عنها، من خلال الوعد بسعادة مؤجلة إلى الدار الآخرة، الأمر الذي لا يوجد -بحسبهم- في الإسلام الذي لا يفصل السعادة الدنيوية عن السعادة الأخروية، بمعنى أن الاهتمام بالحياة الأخروية لا يحول دون الاهتمام بالحياة الدنيوية، ومن ثم لا يوجد أي تعارض بين الفقهاء والسياسيين لأن رؤيتهم للكون ولحياة الإنسان تشمل القضايا المادية والمعنوية على حد سواء، والسياسيون إنما ينطلقون لإدارة الشؤون السياسية على أساس آراء الفقهاء المستمدة من الدين الإسلامي.
يعد الإسلام إذن رسالة دينية ومشروعا سياسيا في الآن نفسه، غير أن هذا لا يمنع من وجود فراغ تشريعي بخصوص المسألة السياسية المرتبطة بالحكم، ولا أدل على ذلك مما عاشه الصحابة عقب شغور منصب الولاية السياسية بغياب الرسول، وما واجهوه من مختلف أشكال الاصطدام بسؤال السياسة والسلطة، ولعل ما عٌرف بالفتنة الكبرى قد شكل أوجع مظاهر هذا الاصطدام.
في الجانب الآخر ينظر الفريق العلماني إلى النموذج الغربي كأرقى ما توصل إليه الجنس البشري، وبالتالي فلا مانع بل ومن الواجب اقتفاء أثر هذا النموذج للحاق بركبه الحضاري في شتى المجالات، ويعتقد أنصار هذا التيار بإمكانية مقاربة الحياة بنحو تام على أساس المنفعة الدنيوية التي تغلب التقوى النافعة على منفعة التقوى، عبر الارتكاز على ما يظهر نافعا ومفيدا في الأرض لا في السماء، بحيث يكون التعامل هنا مع العالم المشهود مبنيا على أساس العقل والتجربة وبعيدا عن أي تفسيرات غيبية.
وبالتالي تظهر العلمنة هنا كآلية تُفقد الدين رؤيته المهيمنة على المجتمع، بحيث يصبح تبيين وتنظيم الأمور الدنيوية مستندا على الجوانب العقلية الاستدلالية لا على الأمور الميتافيزقية، ويرى أنصار العلمانية كذلك أن القول بأن لا وجود لكهنوت أو طبقة رجال دين في الإسلام هو كلام نظري فقط، لأن واقع الحال يقول بتدخل الفقهاء في كل صغيرة وكبيرة من حياة الناس، أي بالنهاية هم كذلك يفرضون أنفسهم كواسطة لا مناص من الرجوع إليها لتحديد مختلف أوجه علاقة الإنسان بربه، وبنفس الشكل الاستبدادي المنافي للحرية التي بدونها لا يمكن الحديث عن أية فضيلة، وبالتالي فالمطلوب بحسب وجهة النظر هاته هو تخفيف تأثير الدين في القضايا الاجتماعية كيما تزداد جوانبه الروحية والقلبية.
أما أي حديث عن تحكيم شرع الله فهو مجاف للواقع لأن الله جل جلاله لا يحكم بذاته ولكن عن طريق بشر وبالتالي فالحكم سيتم من خلال فهم بشري لا بد له وأن يكون ناقصا لأن المعرفة البشرية لا يمكن أن تتساوى مع المعرفة الإلهية، فمعرفة البشر ليست مطلقة ما دامت قائمة على الإرادة والاختيار والميول والاجتهاد، وبالتالي فتحكيم الشريعة لن يكون حتما سوى حكم بشري بلبوس ديني.
هذا العرض المقتضب لبعض أهم خصائص كل اتجاه على حدة يقودنا للتساؤل التالي: أما من حل وسط ينهي هذا الجدل المزمن؟ أما من منطقة وسطى يمكن للفريقين الالتقاء عندها ومن ثم محاولة المشي معا في اتجاه تدارك ما فات من تأخر حضاري للحاق بمن سبقونا؟
ما من شك في أن الخطوة الأولى للخروج من حالة الانسداد التاريخي التي نعيشها، تبدأ بالخروج من حالة التمترس المتصلب على القناعات الذاتية لكل طرف، وهذا الخروج يبدأ بالانصراف عن النهج اليقيني الذي يستحكم بالكل، والانطلاق نحو رحابة التعددية الفكرية، فالتوحد لم ولن يتم من خلال الاجتماع على رأي واحد وإنما من خلال القبول بتعدد الآراء واختلافها، وقبل ذلك إعطاء الحق في هذا الاختلاف.
صفوة القول إن الحداثة الغربية قد شكلت منظومة فكرية شاملة، نقلت الحضارة الغربية نقلات استراتيجية، بما جعل قيم هذه الحداثة وعلى رأسها العلمانية تشكل مصدر إلهام على الصعيد العربي، غير أن التعاطي معها ما بقي متأرجحا بين التماهي التام أو الرفض التام لن يجدينا نفعا بقدر ما سيتم لنا هذا النفع من خلال الإفادة من هذه التجربة في إطار خصوصيتنا المحلية، بما يراعي أننا أمة تراثية تقوم بشكل أساسي على النص الديني ومفاهيمه عن الله والوجود والإنسان، دون أن ينمنعنا هذا التفاعل بين العقل والنص والواقع من التصالح مع القيم الإنسانية الكونية، إذا ما توفرت القراءة المعاصرة المرنة التي تحسن التوفيق بين الماضي والحاضر بعيدا عن أي أدلجة دوغمائية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.