إيران والتحكم بالشطرنج

مدونات - روحاني إيران

يبدو أن آخر القلاع قد سقطت في وجه التمدد الإيراني، والزحف المذهبي القائم على حلم الإمبراطورية بدأ يتحقق شيئا فشيئا، والغريب طبعا الخطابات الرسمية للقيادات العسكرية الإيرانية التي تشرح مراحل تحقيق الحلم الإمبراطوري، فاليوم العراق جزء من نفوذنا والأمس اليمن وقبلها لبنان وبينهما سوريا والحبل على الجرار. 

 
إن الوقوف بوجه التوسع الإيراني بعد الربيع العربي لم يكن ممكنا في ظل استمرارية حكم العائلة والاستبداد السياسي في الوطن العربي، وعدم وجود رؤية سياسية وإستراتيجية في صد الأطماع الإيرانية وقطع أذرعها في التلاعب بحياة الشعوب من خلال ميليشياتها العقائدية الخطيرة. ونظرا للفراغ الأمني والسياسي الذي حصل بعد الثورة السورية بات من الصعب حتى التفكير في صد إيران، وتحوّلت طهران إلى دولة محورية في رسم مستقبل المنطقة والمساومة على حياة شعوب الشرق الأوسط في سبيل تحقيق مصالحها، والتقارب الروسي الإيراني خدم المشاريع الإيرانية أكثر، وازدادت الفجوة العسكرية بينها وبين كل من تركيا والسعودية ومصر وحتى إسرائيل فيما يتعلق بالنفوذ السياسي في المنطقة. 

 
إن آخر القلاع التي لم تكن تدور في المحور الإيراني كانت إقليم كردستان، ونظرا لوقوف قيادة الإقليم مع الشعب السوري وتطلعاته العادلة في الحرية، وكذلك التقارب الكردي التركي قد أبعد الإقليم عن العنكبوت الإيراني، ولم تكن طهران سعيدة بالعمق الإستراتيجي الأمني الذي خلقه الأكراد في المنطقة بوجه التوسع الإيراني. عمل طهران في إحداث حالة التشتت بين الأطراف الكردية المختلفة خاصة في سوريا والعراق، وكذلك دعم توجهات كردية على حساب أطراف كردية أخرى، لكن هذا المشروع لم يؤت ثماره إلا بعد الاستفتاء الشعبي في إقليم كردستان ودعوة الشعب الكردي إلى إعلان الاستقلال عن العراق التي باتت دولة تُديرها إيران، خاصة بعد المساعدات العسكرية التي قدمتها طهران ومن خلالها شكّلت ميليشيات مسلحة ولاؤها المباشر للدولة الإيرانية. 

 

 
إن الاستفتاء الشعبي والقراءة غير الإستراتيجية للظروف الإقليمية والجيوسياسية من قِبل القيادة الكردية في إقليم كردستان فتح الباب أمام الإمبراطورية الإيرانية في ضرب الإقليم، والتحكم بقواعد اللعبة من خلال استرجاع السلطة المركزية، والاستفادة من الموقف التركي والدولي المناهض للاستفتاء في خلق جبهة إقليمية ضد الإقليم، الأمر الذي أدّى إلى انكسار القلعة الكردية أمام التوسع الإقليمي لدولة الملالي، وبذلك تحول الحلم الإيراني إلى حقيقة قائمة بالسيطرة على البعد الجيوسياسي المهم للإقليم من خلال الاستعانة ببعض القيادات الكارتونية في إقليم كردستان، ونظرا للاختلاف وعدم اعتراف بعض القيادات داخل الاتحاد الوطني بزعامة السيد مسعود البارزاني ومشروعه في إعلان الاستقلال فقد حصلت خيانة وطنية في كركوك، وأدت إلى سيطرة الميليشيات العراقية التي تتحكم بها إيران على كل المعادلات السياسية والعسكرية في الإقليم، مما أفرز حالة سياسية جديدة أفقدت الإقليم الكثير من ثقله السياسي والعسكري في العراق أمام النفوذ الإيراني والأطراف العراقية القريبة منها.

 
من الجدير بالذكر رغم المعارضة التركية والعربية للاستفتاء الكردي فإن نجاح إيران في السيطرة على المعادلة السياسية في إقليم كردستان أفرز حالة من الخلل والفجوة في توازن القوى على حساب تركيا والدول العربية الأخرى، وذلك بسبب النفوذ العسكري والسياسي الإيراني في العراق، وكذلك إمكانية جر العراق مثل سوريا واليمن إلى ساحة أخرى للتصفيات الإقليمية الإيرانية مع أطراف أخرى على حساب المنطقة، وكذلك لاختلال التوازن الجيوسياسي بين طهران وأنقرة. إن أي انكسار لأي طرف مناهض للتوسع الإيراني تعني خسارة إقليمية لكل الأطراف المعتدلة في المنطقة. وذلك لكون المشروع الإيراني قائما على أسس توسعية تخلق حالة المعادلة الصفرية (-sum zero) مع الأطراف الأخرى في محيطها الإقليمي.

 
إن التحكم برقعة الشطرنج إيراني بامتياز، وأحجارها باتت إيرانية بامتياز بعد كسر الإرادة الكردية الوحيدة المناهضة للتوسع الإيراني في المنطقة، وإن خلق حالة التوازن مع طهران لا يمكن تحقيقها من خلال القوة العسكرية فقط، وإنما تتطلب التوازن في مستوى التهديد معها في ملفات جيوسياسية مهمة في كل من سوريا والعراق ولبنان، ونظرا لوجود عقدة الزعامة الإقليمية لدى العرب، وانشغال تركيا بالمشكلات المحلية التي تهدد نسيجها الوطني فالساحة باتت مفتوحة أمام المشاريع التوسعية الإيرانية في الشرق الأوسط.