لا تجعل فتيلك متأخراً

blogs - فتاة غروب انتظار أمل تأمل
الوضع هنا برمّته كان كمضمار دائري تتسع حلقاته كلما أتممت جولة كاملة (أي فصل دراسي كامل)، تحملُ أحلامك عتاداً على ظهرك وتحرِرها كلمّا تحقق واحد منها فيخفُّ وزنها أو تبقى ثقيلة بتراكمها، أمّا مقاعد الجمهور فهي مقسّمة إلى أماكن، يجلس الشامتون في جهة، والذين يتمنون فشلي في جهة أخرى، وجهة صغيرة لعتاد رحلتي ومن يشد على يدي ويدفعني للمضيّ دائماً، وأمي تحتل نصف المقاعد، إذا ما نفخت هواءً من فمها إلّا وأحسست أن ريحاً تلفحني فتطفئ اشتعال قلبي تعباً وخوفاً، السيناريو دائماً متكرر في كل جولة، إلّا أن مقاعد الشامتين تزداد حدّ التصاقهم ببعضهم من كثرتهم، أما أمي فيداها تطول لتصل شعري وتربت على كتفي لتشعرني كم أن وجودهم غير مهم.

حتى أخرج من سباقي بأقل الخسائر كان يجب أن أملك ظهراً قوياً وأكون شديد العتاد بالدعاء والحزم والقوة لكل تلك الأحلام المؤجلة التي لا تخرج من مفهوم التفكير المفرط قبل النوم إلى حين تحقيقها، كان لا بدّ من التركيز على الإنجاز وعدم الإصغاء لكلّ الكلام المحبط وتضييع كل أوقات الجامعة فقط بالدراسة والامتحانات التي لا تنتهي وكان لا بدّ من الالتفات إلى كل الوقت المهدور في اللاشيء وإقحام التشويق قليلاً لحياتي التي بات الروتين يأكل منها رويداً رويداً.

كان الأمر يتطلب رباطة جأش لا تتداعى عند أول مطب فينهار البنيان الضعيف الذي حرصت على شدّه بالغرز والخيوط حتى لا يظهر ضعفه للمارة فتنهار أنت بدورك وترجع لبداية السباق تجر أذيال الهزيمة، حين يبدأ الشحوب يأكل من عافيتك، ويعشعش اليأس في دهاليز رأسك فتتشبع تلك الفكرة حتى تبدو مستحيلة النسيان، تحفر مكانها في الدرب الطويل وتحدّ من قدرتك الكبيرة.

وعند تلك النقطة التي يظهر فيه ظهرك محدودباً يتملّكك التعب، شاحب الوجه فارغاً، تشعر بالأسى لكلِّ ذلك الوقت الذي ذهب هباءً منثوراً، تشعر بالفتيل قد اشتعل في إصبع قدمك وامتدّ ليطال قدمك كلها، يصعد ليأكل جسدك ليصل مركز جسمك، نعم إنّ قلبك يشتعل! عند تلك النقطة فقط ستجد في نفسك التوّاقة للإنجاز الكثير من الطاقة.

لا تنسى تلك التي احتلت نصف جمهورك، التي لا تزال تجفف عرق جبينك اللامع وتفتخر بك بعد أن احتلت كل المقاعد في ذلك المضمار المزعوم وقد أفرغت كل المقاعد الأخرى بدعائها
لا تنسى تلك التي احتلت نصف جمهورك، التي لا تزال تجفف عرق جبينك اللامع وتفتخر بك بعد أن احتلت كل المقاعد في ذلك المضمار المزعوم وقد أفرغت كل المقاعد الأخرى بدعائها
 

اشكر نفسك أولاً للوصول لتلك النشوة الرائعة بقدرتك الهائلة على ابتكار الفرص، استغل أوقات الفراغ كلها بقراءة الكتب التي ستزيدكَ عمراً وفهماً ووعياً وتضيفُ حسن الكلام لطابعك، شارك بالعمل التطوعي الذي سيزرع فيكَ حبَّ الغير ومساعدته وتقوّي شخصيتك وتصبح بنّاءة، أمّا حضورك المحاضرات التي ليست ضمن خطة دراستك ولكن فقط لأنها تمثل جزءاً من شغفك المهمل ستفتح أفاق كبيرة كنت مغمضَ العينين عنها، واحرص على كسب الكثير من "الزملاء" والقليل من أصدقاء العمر لأنّ خسارة صديق أمر صعب على النفس تحمله، حقاً!

لا تنسى أن تتعلم جمع النقود تحسباً لأي ضائقة مادية قد تمرُّ بها، تعلّم لغة أخرى غيرالانجليزية، ولا تغفل عن رخصة القيادة أيضاً، كما أن حصولك على تقدير مرتفع بتخصصك الجامعي لتكسب وظيفة عملٍ تطمح إليها ضمن إمكاناتك المرتفعة أمر بالغ الأهمية فهو سبب وجودك الأول في هذه البيئة، ولا بدّ من التنويه إلى ضرورة رؤية نفسك جميلاً دائماً بعيوبك الجميلة أيضاً لتصل لمرحلة التصالح مع نفسك وتحد من وقع سقوطك إذا ما أراد أحدهم زعزة ثقتك بنفسك.

عندها فقط ستحدد إمكاناتك التي تصل السماء عالياً، التي كانت تريد منك التجريب والفشل والمحاولة والابتكار، ستصل عندها إلى مرحلة نقل معظم الأشخاص الذين كانوا يحيطون بك إلى ركن الهوامش، وستصبح رقماً يزداد بإنجازاتك بدلاً من بقائك عالقاً بالصفر دائماً، وتصبح رقماً موجباً يزداد يوماً تلو الآخر يزيدك ثقة بنفسك وبإنجازاتك اللامتناهية فقط لأنك وصلت ليقين أنك تستطيع وهو جل ما نريده في هذه الرحلة الطويلة، لا تنسى من احتلت نصف جمهورك، التي لا تزال تجفف عرق جبينك اللامع وتفتخر بك بعد أن احتلت كل المقاعد في ذلك المضمار المزعوم وقد أفرغت كل المقاعد الأخرى بدعائها لك على الدوام، ستصل لنقطة تجلس فيها وقد توالت تلك الانجازات الصغيرة والكبيرة لتوقن أن كل ما مررت به كان يستحق، أجل يستحق.