الدولة الفلسطينيّة المستقلّة ولكن!

BLOGS نقطة تفتيش اسرائيلية

في قصر الصنوبر بالعاصمة الجزائريّة تحقق الحُلم الذي مازال حُلمًا، دوى صوت التصفيق حين قال الراحل ياسر عرفات بأنّ "هذا المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ يعلن باسم الله وباسم الشعب العربيّ والفلسطينيّ قيام دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القُدس الشريف"، هذا الاستقلال الذي قوبل بالتصفيق الحار وبالتبريكات السعيدة بعده، لحقه اعتراف من قِبل 137 دولة مختلفة.

العودة إلى الوثيقة التي صاغها الشاعر العظيم محمود درويش والقاها الرئيس الفلسطينيّ ياسر عرفات في ذاك اليوم، قبل 29 عامًا، هامّة جدًا اليوم، فهي ابتدأت بتأكيدها لهوية الأرض الفلسطينيّة عبر الزمن والتي منحها الشعب الفلسطينيّ لها عبر التصاقه وصمودهِ في الدفاع عنها ليرتقي هذا الصمود إلى مستوى المعجزة، وبالمقابل نفختْ هذه الأرض المقدسة في الشعبِ روح الوطن أيضًا لتبادله هذه العلاقة.

وانتقلت الوثيقة للحديث حول استثناء القضيّة الفلسطينيّة من موازين القوى المحليّة والعالميّة وإهمال القضيّة الفلسطينيّة وعدم إنصافها، إضافةً إلى تعرض فلسطين إلى احتلال من نوع جديد عبر تعميم أكذوبة "شعب بلا أرض" وتشويه التاريخ الفلسطينيّ. هذا عدا عن الظلم التاريخيّ المتمثل بحرمان الفلسطينيين من تقرير مصيرهم إثر قرار الجمعية العامة رقم 181 عام 1947، الذي قسم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، ومع هذا يمكن تحقيق شرعيّة دوليّة، وفقًا للوثيقة، على حدود هذه الدولة العربيّة التي بقيت.

الدولة المستقلّة هي الدولة التي تمارس بنفسها مجموع صلاحياتها الداخلية والخارجية بدون تبعية لدولة أخرى أو لسلطة دُولية مع وجوب مراعاة القانون الدُولي واحترام التزاماتها الاتفاقية

وعلى هذا، في فِقرة أخرى هامّة لاحقة ذكر فيها نصًّا "وفي سياق نضالها من أجل إحلال السلام على أرض المحبة والسلام، تهيب دولة فلسطين بالأمم المتحدة التي تتحمل مسؤولية خاصة تجاه الشعب العربي الفلسطيني ووطنه، وتهيب بشعوب العالم والدول المحبة للسلام والحرية أن تعينها على تحقيق أهدافها، ووضع حد لمأساة شعبها، بتوفير الأمن له، وبالعمل على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية".

يمكن اعتبار هذه الفِقرة في وثيقة الاستقلال ذاتها تصريحًا واضحًا بعدم قدرة الفلسطينيين، وبشكل خاص "الدولة الفلسطينيّة" على تحقيق الأمن لذاتها ولمواطنيها، وعن عجزها بوضع حدّ للمأساة الفلسطينيّة بمفردها، وعن عدم قدرتها على تحقيق أهدافها بالسلام والحرّية أيضًا، ذلك أنّ هذه المناشدة لدعوة الأمم المتحدة من منطلق مسؤوليتها وشعوب العالم بالعمل على إنهاء الاحتلال الإسرائيليّ للأراضي الفلسطينيّة وعلى تحقيق أهدافها، يعني بشكل لا لُبس فيه أنّ هذه الدولة عاجزة في تحقيق هذا لذاتها، فما هو الاستقلال إذًا؟

إنّ العودة لمصطلح الدولة المستقلّة في المفهوم السياسيّ، الذي دخلَ إلى قواميسنا العربيّة مع سقوط الدولة العثمانيّة وتخلّص الشعوب العربيّة من الاستعمار الأوروبيّ للمنطقة، يعني أنّه "حق الدولة في أن تمارس بنفسها مجموع صلاحياتها الداخلية والخارجية بدون تبعية لدولة أخرى أو لسلطة دُولية مع وجوب مراعاة القانون الدُولي واحترام التزاماتها الاتفاقية". وكما جاء في معجم الاصطلاحات القانونيّة فإنَّ ترجمة مفهوم الاستقلال عن اللغة اللاتينيّة تعني أنّها: غياب التبعيّة.

وللأسف، من ناحية نظريّة فإنّ فلسطين ليست فقط تابعة بل خاضعة، ولا يخفَ على أحد أنّه ما بعد إعلان الاستقلال شهدتْ فلسطين سلسلة طويلة من عمليات القمع والترهيب والقتل الجماعيّ والتهويد وبناء المستوطنات، كلّ هذا دون أن تقوم هذه الدولة المستقلّة بدورها في الوقت الذي وصل فيه عدد المستوطنات الإسرائيليّة في الضفّة إلى 144 مستوطنة.

لا يحتاجُ الجنديّ الإسرائيليّ أن يكلّف نفسه عناء الدخول إلى المناطق الفلسطينيّة، فهو يمارسُ سلطته عبر المعابر الإسرائيليّة المفروضة على الضفّة الغربيّة وقطاع غزة، فالسيادة المطلقة هي للجانب الإسرائيليّ
لا يحتاجُ الجنديّ الإسرائيليّ أن يكلّف نفسه عناء الدخول إلى المناطق الفلسطينيّة، فهو يمارسُ سلطته عبر المعابر الإسرائيليّة المفروضة على الضفّة الغربيّة وقطاع غزة، فالسيادة المطلقة هي للجانب الإسرائيليّ

 تُبيح "عدم الاستقلالية" هذه لأي جنديّ دخول الأراضي الفلسطينيّة وقتل من يشاء من النساء أو الأطفال أو الرجال ومن ثم الخروج بكل هدوء، ولربما يُشعِلُ سيجارة أثناء طريق العودة وهو يغازل حبيبته "ميريام" ويستمع لأغنيته المفضّلة دون أي شعور بالذنب، هذه الحالة من الذلّ لا تُمكِّنُ دولة فقط من خرقِ "سيادة" الأرض الفلسطينيّة، بل تمكِّنُ أيّ عنصرٍ إسرائيليّ صغير، بدون أيِّ أوامر عسكريّة بقتل المدنيين الفلسطينيين. ليخرجَ الإعلام الإسرائيليّ بعدها بأنباءٍ كاذبة ومحرِّضة عن محاولةِ الاعتداء على جنديّ وقتل "إرهابيّ" فلسطينيّ! وبالمقابل لا تنبس هذه الدولة الفلسطينيّة "المستقلة" ببنت شفة حول الموضوع، لا يوجد حماية لهذا الشعب، وبالتالي قتل المدنيين الفلسطينيين في الغالب لا يعني أيّ أحد في هذه الدولة الفلسطينيّة، وبهذا يتصرف المسؤولون الفلسطينيون على أنّ من استشهد ليس في دولتهم "المستقلة"!

ومع ذلك كلّه، لا يحتاجُ الجنديّ الإسرائيليّ في بعض الأحيان أن يكلّف نفسه عناء الدخول إلى المناطق الفلسطينيّة، فهو يمارسُ سلطته عبر المعابر الإسرائيليّة المفروضة على الضفّة الغربيّة وقطاع غزة، فالسيادة المطلقة هي للجانب الإسرائيليّ.

هنا تتكدس الأسئلة التالية: هل حقًا الاعتراف بالاستقلال في ظل الاحتلال هو جزء من عمليّة بناء الدولة الفلسطينيّة؟ ألا يجعلُ هذا الاستقلال الورقيّ في شكله الحاليّ من هذه الدولة الفلسطينيّة الخاضعة تحت الاحتلال دولةً مساويةً لمحتلّها ومغتصبها من ناحية قانونيّة ونظريّة ودوليّة؟ والسؤال الأهمّ ما الذي يدفعُ دولة لا تتمتع بالسيادة على أرضها أن تتغنى بالاستقلال؟ هل لأنّها تريد أن تشرف على دولة مدنيّة فقط وتتنصل من مسؤوليتها السياسيّة؟ سؤال جدير بالتفكير، فحتى الجانب المدني حدِّ­­ث ولا حرج!