شعار قسم مدونات

التديّن وإشكالية القولبة والتنميط

blogs التدين

إنّ التعريفات الاصطلاحية المختلفة "للتدين" تتقاطع في معظمها بأنها مجموعة الممارسات التي يقوم بها المسلم لتطبيق "الدين" الذي هو مجموع الشرائع الإلهية المنزَلة. وفيما يتجلّى الدين في مفهومه العقائدي بصورة واحدة خالية من الإشكالات كونه إلهيا، تظهر الإشكالية في التديّن، الذي هو سلوك بشري معرّض للاختلاط بالخصائص البشرية كالأفكار والعادات والتربية والثقافة، مما يجعله عرضة للاختلاف حسب تفاعل الدين مع الموجودات الداخلية.

 

وبالتالي سيختلف مفهوم التدين حسب طريقة تلقي النصوص ظنية الدلالة أو الأمور التي لم يرد بها نصٌّ واضح، والتي هي في مجملها دنيوية غير عقدية. لذلك كان وضع تعريف تطبيقي واحد للتدين أمرا في غاية الصعوبة.

وتتجلّى إشكالية التدين بصورة خاصة في مجتمعنا العربي في "قولبة التدين"، وهو وضع الأشخاص في قوالب نمطية وفئات يحددها مجموعة من الناس أو مجتمع كامل. ويظهر ذلك جليا في اللحظة التي تُذكر فيها كلمة "متدين" حيث تقفز إلى الذهن صورة نمطية ما رسمتها الأيدولوجيا أو التربية أو مزيج الخبرات السابقة. وستتعرض هذه التدوينة لمظهرين من مظاهر قولبة التدين في المجتمع العربي هما اللباس والفن.

 

لا شكّ بأن مشكلة التقييم المبني على المظهر هي إحدى نتائج أزمة فهم الدين الكبرى حيث أصبح الدين محصورا بالشعائر والمظاهر
لا شكّ بأن مشكلة التقييم المبني على المظهر هي إحدى نتائج أزمة فهم الدين الكبرى حيث أصبح الدين محصورا بالشعائر والمظاهر
 
اللباس والمظهر:

إنّ مظهر المتدين من أكثر القضايا التي تظهر فيها مشكلة القولبة والأدلجة، فيخضع الشخص للتصنيف والتقييم بشكل مختلف حسب تلقّي الناظر، فلو كان هناك فتاة محجبة ترتدي بنطالا وقميصا طويلا، ستصنفها إحداهنّ بأنها خارج مجموعتها لأنها لا ترتدي حجابا أبيض وجلبابا طويلا ولا تقول نفس العبارات التي يقلنها، بينما تصنفها أخرى بأنها متزمتة فقط لأنها ترتدي الحجاب ولا تصافح الرجال وتقول "السلام عليكم" بدل "مرحبا"، وتصنفها ثالثة بأنها علمانية متحررة لأنها لا تغطي وجهها ولا تلبس عباءة سوداء وتضع القليل من المكياج. وهي نفس الفتاة.

ونفس المنطق -وإن كان أقل وضوحا- بالنسبة للرجل، فصاحب اللحية عادة ما يُوضع في قالب واحد، وعادة ما يقال له "يا شيخ" ولو لم يكن شيخا. أو يُصنف أحد الشباب بأنه لا ينتمي إليهم لأنه يلبس على الموضة ويسرّح شعره بطريقة مختلفة ويتكلم بشكل مختلف ولو كان يتبنى فكرهم.

فتجد الأشخاص من كل نمط وضعوا لأنفسهم مجموعة من القوانين العرفية المتعلقة بالمظهر التي ليس لها صلة واضحة بالدين. ليس ثمة مشكلة في ذلك، لكن المشكلة تكمن في وضعها موضع التقديس ونبذ كل من يخالفها دون الاكتراث للقيم والأفكار الداخلية.

 

إن انكفاء الأيديولوجيات الدينية على ذاتها ورفضها للآخر ووسمه هو ما يخلق المزيد من الأيدولوجيات العبثية التي تتفكك بها البنية الدينية المتماسكة

لا شكّ بأن مشكلة التقييم المبني على المظهر هي إحدى نتائج أزمة فهم الدين الكبرى حيث أصبح الدين محصورا بالشعائر والمظاهر، فيكفي أن تكون الفتاة محجبة وأن يُعرف بأنّ الشاب يُصلي حتى يُحكم عليهما بالصلاح.

 

إن انكفاء الأيديولوجيات الدينية على ذاتها ورفضها للآخر ووسمه هو ما يخلق المزيد من الأيدولوجيات العبثية التي تتفكك بها البنية الدينية المتماسكة، فكل مرفوض في دائرة ما سيسعى للالتفاف حول مَن يقبلونه، فتنشأ المزيد من الدوائر والمزيد من النبذ والانطواء. وستظهر أيضا "أيدولوجيا اللاأيديولوجيا" التي ينتمي إليها الكثيرون ممن لا يمكن تصنيفهم.

 

الفن الإسلامي:

أما الفن الإسلامي فلا تبعد إشكاليته عن ثنائية الجوهر والمظهر كثيرا، فمشكلته تتلخص بأنه قد تم تنميطه اسما ومضمونا. فما الفن الإسلامي؟ وما معنى أن يكون إسلاميا؟ لربما وقع الفن في فخ المسمى كما وقع فيه كل شيء آخر في الأوساط الإسلامية كاللباس والتعليم والمعاملات المالية، فليس عليه إلا أن يُسمّى "إسلاميا" حتى نرتاح ويُصبح مقبولا ويُزاح عن كاهلنا عِبءُ التفكير والمحاكمة، فليس علينا أن نفكر بعدها بالمحتوى وما إذا كان يطابق المعايير الدينية أم لا. وهكذا أصبح كُل شيء اسما بدل كونه مواصفات.

تظهر هذه المشكلة في الفن في ناحيتين متقابلتين: الناحية الأولى تتمثل في رفض كل ما لم يَكُن إسلاميا ولو كان يطابق المعايير الإسلامية من عدم الإسفاف في الشكل والمعنى، فيتم تحريمه لمجرّد أن مؤديه لا ينتمي إلى خلفية إسلامية. فتصير أُغنية مثل "Earth" لمايكل جاكسون مُحرّمة.

 الحلّ في معضلة الفن الإسلامي وكل شيء إسلامي آخر هو التّوقف عن تسميته بذلك، والبدء بمحاكمته كمادة خاضعة للمعايير الشرعية دون تنميط وتصنيف  (رويترز)
 الحلّ في معضلة الفن الإسلامي وكل شيء إسلامي آخر هو التّوقف عن تسميته بذلك، والبدء بمحاكمته كمادة خاضعة للمعايير الشرعية دون تنميط وتصنيف  (رويترز)

والناحية الأخرى هي إلقاء كل ما هبّ ودبّ في قالب "الفن الإسلامي" بسبب موضوعه أو خلفية مؤديه، حتى ولو كان متطرفا أو غير لائق برزانة الفن الملتزم، لكنه يبقى حلالا بسبب مسمّاه. فيصير مزج المدائح النبوية بموسيقى الميتال مقبولا، ومزج الابتهالات والأدعية بالموسيقى الغريبة الحادة مستساغا، فيظهر فنٌّ مسخٌ غير واضح الهوية. بالإضافة إلى أناشيد الأعراس الحديثة التي يحتوي بعضها تماما على ما تحتويه الأغاني المرفوضة وفق المعايير الدينية، ولكنها تبقى مقبولة رغم ذلك.

 

لربما كان الحلّ في معضلة الفن الإسلامي وكل شيء إسلامي آخر هو التّوقف عن تسميته بذلك، والبدء بمحاكمته كمادة خاضعة للمعايير الشرعية دون تنميط وتصنيف. ولا بد للمتدينين من أن يتوقفوا عن الهرع إلى كل مُعنوَنٍ بـ "إسلامي" وينفضوا عن أدمغتهم غُبار التواكل وكسل المحاكمة الدينية.

 

إن المسؤول الأول والوحيد عن خلق هذه الإشكاليات وضياع الهوية الدينية للأشياء هو نحن بالمقام الأول، مرّة حين رفضنا الآخر، ومرّة أُخرى حين أُخذنا بِوَهج المظهر ونسينا الجوهر. ومهما اختلفت أشكال التديّن، لا يجعل ذلك أحدها أفضل من الآخر، وكُل اختلاف ثراء ما دام لا يُتعدى به على الآخر ولا يسعى للتفضيل. أمّا الاختلاف الذي يُفضي إلى النبذ والإقصاء فهو أسرع الطرق نحو التفرقة والكراهية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.