كيف تروج الأنظمة السياسة لأفكارها عبر الدراما؟

مدونات - مسلسل باب الحارة دراما سورية سوريا

 

سنتناول في هذا المقال ظاهرة استخدام الدراما لتمرير الأطروحات الفكرية، غير أنه لا بد من الإشارة بدايةً إلى أن كلامنا يتحدث عن الأعمال الدرامية الحقيقية، وليست تلك التي تمارس حالة من البروباغندا الدعائية لتشويه الخصوم السياسيين ولو على حساب المادة الفنية نفسها، كمسلسل (الجماعة) في مصر، أو الأجزاء الأخيرة من مسلسل (باب الحارة) في سورية. 

 
أما الدراما الحقيقية من حيث الأيديولوجية فقد استطاع العلمانيون طرحها في الأعمال التلفزيونية بكثرة، ولعل من أبرزها في مصر ما فعله اليساري أسامة أنور عكاشة في مسلسله الشهير (ليالي الحلمية) حين تكلم عن أثر اضمحلال الطبقة الوسطى على المجتمع. لكن غالبية هذه المشاريع لم تكن بدعم مباشر من النظام المصري الحاكم.

 
المشكلة في النظام السوري هو تبني طرح الأعمال الفنية وفق عقيدته البعثية، حتى ولو كان طرحاً مباشراً فجاً كمسرحية (غربة) التي تبشر بالاشتراكية كحل للواقع من خلال شخصية أستاذ المدرسة عبد الهادي صباغ، وهذا الطرح الأيديولوجي استمر في ما يسمى الواقعية الاشتراكية زمنا طويلا، لكن على حد علمي كان آخرها في التسعينات، وذلك في المسلسل الشهير (نهاية رجل شجاع) بطولة أيمن زيدان وسوزان نجم الدين، حيث أراد كاتبه اليساري حنا مينة طرح المبدأ الاشتراكي لكن بأسلوب خفي وهو: أن الفرد أو العامل عندما ينفصل عن الجماعة يُفنى ويباد.

 
ومن زاوية أخرى تم طرح بعض الأعمال التي تبشر بالمرحلة القادمة توريث الحكم من خلال مسلسل (يوميات مدير عام) الذي ظهر الجزء الثاني منه في بداية الثورة! حيث يؤكد هذا العمل أن القائد أو الزعيم هو رجل إصلاحي يسعى جاهداً إلى تنظيف الواقع القبيح وبأساليب متعددة، لكن المشكلة ليست فيه إنما في الرعية!، حتى مسلسل (بقعة ضوء) وإن كان يتكلم عن فساد المسؤولين لكنه يعتمد مبدأ يجرح ويداوي في الوقت نفسه فهو غالباً ما يُظهر أن العيب في الشعب وبالتالي هو غير قابلٍ للإصلاح!

 

لقطة من المسلسل التاريخي
لقطة من المسلسل التاريخي "الإمام أحمد بن حنبل" من إنتاج تلفزيون قطر (مواقع التواصل)

 

في هذه العجالة الشديدة أقول إن عصر الواقعية الاشتراكية انقرض في العالم كله، لكن علينا الانتباه أنه أصبح محله الواقعية الاجتماعية الجديدة التي تعالج المشاكل اليومية المعاشة بأسلوب غيرِ مؤدلج أحيانا لكنه مؤدلج في مرات كثيرة.. اللافت أنه بعد خفوت شعاع الأيديولوجيات واستمراراً للنهج العلماني السابق قُرر في أواسط التسعينات أن تظهر إنتاجات فنية على التلفزيون الرسمي بما أسموه حينها الفانتازيا التاريخية وهي تعني اللاتاريخ واللاهوية واللاانتماء.. ولهذا استهزأ بها المخرج الراحل مصطفى العقاد .

 

فهي إضافة إلى ذلك تعتمد الخيال وإن كان مجنَّحا أحيانا كظهور أكلة التبولة في مسلسل الجوارح!، هذا المسلسل وإن كان يهدف إلى بروز فكرة الاعتماد على النفس رغم تفرق الأشقاء المقصود بهم هنا الدول العربية تماشيا مع الخطاب القومي التقليدي، لكن ليحدث هذا بدون أي عقيدة، سوى الضرورة العامة أو التحديات المفروضة.

 

 لكن بعد سنوات قليلة ومع بداية انتشار الفضائيات العربية الوليدة، ظهر نوع آخر من المسلسلات التاريخية تهدف لتوحيد العرب لكن على خطى الجاهليين أي بدون إسلام، كمسلسل (ذي قار).. إلا أنه في منتصف الألفية الجديدة ومع بروز المال الخليجي بقوة، فرض السوق أن يُتخلى عن الشرط -غير المعلن- بتغييب الإسلام، لتظهر مسلسلات تاريخية بصيغة إسلامية صرفة كمسلسل (صلاح الدين) و(خالد بن الوليد) و(قمر بني هاشم) و(عمر بن الخطاب).

 

إننا نقول هذا مع الإشارة إلى التأثر مؤخراً باختلاف السياسات الخليجية وتفرقها، فلاحظنا إنتاج قطر لمسلسل (أحمد بن حنبل) ودبلجتها لمسلسل (قيامة أرطغرل)، بينما أنتجت الإمارات مسلسل (خيانة وطن) الذي يهدف إلى تجريم وشيطنة الإخوان المسلمين، و كذلك أنتجت السعودية مسلسل (غرابيب سود)، الذي عالج ظهور "داعش" بتخليط شديد، ولعل ذلك ينبئ بفقدان البوصلة التي بدأت بالوضوح مؤخراً في مواقف المملكة، حيث تعلن محاربة المتطرف فتعتقل المعتدل، وتزعم تفكيك ثقافة الغلو في العمل الفني المذكور؛ فتعتدي على المصطلح القرآني.

 
على العموم تظل الأيديولوجية في النهاية تُباع وتشترى!