توقّف عن القراءة فوراً؟

blogs - قراءة
يقول العقاد: "والقراءة دون غيرها هي التي تعطيني أكثرَ من حياة واحدة في مدى عمر الإنسان الواحد؛ لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق، وإن كانت لا تطيلها بمقاديرِ الحساب". ويقول الرافعي: "ليكن غرضك من القراءة اكتساب قريحة مستقلّة، وفكر واسع، وملكة تقوى على الابتكار، فكل كتاب يرمي إلى إحدى هذه الثلاث فاقرأه".
لا يختلف اثنان أن لا عمر محدد للقراءة، وأن على الإنسان أن يقرأ ويستزيد طالما لا يزال في قلبه نبض ومن روحه رمق، وبما أنهم كثيرون من تكلموا عن القراءة واستطردوا وعن أهميتها في حياة الأفراد والمجتمعات وأكثروا فلا داعي لتكرار المكرّر.

اليوم وعلى غير عادة الداعين للقراءة سأحمل نفسي على التجديف عكس التيار والتغريد خارج السرب لأدعوك بأن تتوقف عن القراءة، نعم لا تستغرب هي دعوة صريحة للتوقف عن القراءة لمن كانت فيه صفة من الصفات الآتية الذكر، وهي خمس خصال تمثيلا لا حصرا من كُنّ فيه كان قارئا فاشلا ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من فشل حتى يدعها ويبدلها بخير منها، ذلك أن القراءة التي لا تقُود الفرد لقيادة فكره وعقله ولا الأمة لتكون في موضع الريادة هي قراءة لا تزيد الفرد ولا والمجتمع إلا ضلال وخسارا .

فإن كنت تقضي سحابة أيامك ودقائق ساعاتك جاثيا على رُكبك مُحنيا هامتك أمام صحائف المصنفات تنخلها نخلا ليس لشيء إلا لتسفّه التراث والسنة أو لتثبت حجية إلحادك باحثا عن دليل ضد الإله لتؤيد به عماك موليا ظهرك لكل ما قد يحيى موات إيمانك، فلا أرى لك خيرا من أن تتوقف عن القراءة فأنت وناطح الجبل العالي برأسه بغية تفتيته سواء.

ليس من حقي تمزيق كتابك ولا الأخذ على يدك وحجر حقك في القراءة ولا هو من حق أي أحد آخر، لكن لا بأس أن تأخذ بنصيحة شاب ثلاثيني وتتعرف على نفسك فتسألها: لماذا أقرأ؟
ليس من حقي تمزيق كتابك ولا الأخذ على يدك وحجر حقك في القراءة ولا هو من حق أي أحد آخر، لكن لا بأس أن تأخذ بنصيحة شاب ثلاثيني وتتعرف على نفسك فتسألها: لماذا أقرأ؟
 

وإن كنت لا تقرأ إلا ما يوافق معتقدك ومذهبك ورأيك وهواك معرضا عمّن يخالف معتقدك مشيحا عمّن يرى في الحياة رأيا غير رأيك، ناكصا عمّا قد يحيى دودة الشك في عقلك مثيرا عاصفة في تفكيرك، فتوقف عن القراءة لأنك لن تتعلم شيئا جديدا وحالك لا يختلف كثيرا عن حال سابقك وقد اختصر هذا المعنى روبرت هينلين في قوله : “لن أتعلّم أبداً من شخص يوافقني الرأي” .

وإن كنت لا تقرأ إلا ليقال عنك قارئ أومثقف فأرجو أن تتوقف عن القراءة فما لهذا قد خلقت القراءة، والقراءة التي لا تنفع صاحبها ولا تزيده إلا لقبا ومظهرية جوفاء ليست قراءة، فاربأ بعقلك أن تكون كمثل الحمار يحمل أسفارا واقرأ لنفسك لا للناس ولا تكن ممن يستعجل نفسه ليكون من أوائل من يقضى بينهم يوم القيامة.

وإن كانت قراءتك تجعلك تحتقر وتزدري من هو أقل قراءة منك فتوقف عن القراءة فلا خير في قراءة لا تزيدك إلا كبرا وعلوا، القراءة صلاة في محراب الحياة ومن لم تنهه قراءته عن العتوّ والغرور فلا قراءة له.
وإن كنت تصدّق كل ما تقرأ فتوقف عن القراءة فورا كما نطقت بذلك الحكمة اليابانية، فما فائدة أن تُلقم الأفكار لقما دون فحص ولا تمحيص وما فائدة قراءة دون تدبر ولا تفكر وإعمال عقل، ولا تكن في شحذ عقلك كذلك العجوز الهرم الذي تساقطت أسنانه بعد أن بلغ من العمر عتيا فهو بالع طعامه مالئ بطنه دون طحن ولا مضغ.

أخيرا لا بدّ أن أنوّه إلى أنني لست في مقام الآمر أو الناهي إذ ليس من حقي تمزيق كتابك ولا الأخذ على يدك وحجر حقك في القراءة والمطالعة والتقصّي ولا هو من حق أي أحد آخر، لكن لا بأس أن تأخذ بنصيحة شاب ثلاثيني وتتعرف على نفسك فتسألها: لماذا أقرأ؟ فإن أجابتك ببعض ما ذكرت هنا فلا تتردد وتوقف عن القراءة فورا، فرُبّ قارئ ليس له من قراءته إلا التعب والسّهر.