أم وتين.. مشهد من حياة المهمشين

blogs- syrian
بدأت الأحداث تُصبح أكثر زخماً منذ بدء عملي كطبيبة في عيادة متنقلة تستهدف مناطق تُسمّى لسببٍ أو لآخر بـ"المهمشة" – من المضحك المُبكي أننا نحن "الفئات الأكثر حظاً" من انفردنا بإطلاق هذه التسمية والتي لم تكنْ لتكون إلا بفعل إهمالنا وتشييدنا لأصرحتنا الفارحة ومستشفياتنا الضخمة، في حين ثمة من يفتقرون لأدنى مستويات الصحة أو الخدمات الأوليّة.

الحديث عن هذه القضية سيطول ولم يكنْ غرضي الآن من كتابة ما أود سرده في هذه الأسطر. كل ما مررت به من أحداث كانت كفيلة بأن تجعل هذه المرحلة من حياتي مليئة بتفاصيل رُسمت بوجوه ومساحات لن أملّ أبداً استرجاعَها من رفّ ذاكرتي وتمعنها مراراً وتكراراً، ليس من باب الحنين فقط وإنّما أيضاً في محاولة بائسة مني لفهمِها. رغم إيقاني الشديد بأن هنالك ما وُجِد لكي يظلّ محرّك تساؤلاتنا وأن تبسيطه ليصلَ مستوى عقولنا لن يفضي لشيءٍ.

عندما سألتها عن معنى اسمه، ابتسمت وكأنها تذكرت ذكرى حُلوة ثم أردفت قائلة: "وَتين هو شريان القلب الرئيسي، يا دكتورة". لم يكنْ مني حينها إلا أن رددت ابتسامتها بأخرى مني. نعم أسمتْه بهذا الاسم ليكون حياةً لها. ولكن ما خبّأته السنون كان قاسياً ويفوق طاقتها. من زوجٍ ظالمٍ استغل كدّها وسعيها اليوميّ وجعل منها آلة ترعى الماشية وتقوم بكل الأعمال لوحدها لتنفق على البيت وبالضرورة عليه أيضاً، إلى أن وصلت بها الحالة لأن تنفق على زيجاته التي فاقت الخمس. 
 
كي نستطيع الحفاظ على أجزائنا وعدم فقداننا أو تخلينا عن أي منها في أي محطة. لا نسلّمَ بأن لا طاقة لنا، نحيا الحياة فقط لأننا موجودون. بل نحن وُجدنا لنحيا الحياة ونعيش بحياة
كي نستطيع الحفاظ على أجزائنا وعدم فقداننا أو تخلينا عن أي منها في أي محطة. لا نسلّمَ بأن لا طاقة لنا، نحيا الحياة فقط لأننا موجودون. بل نحن وُجدنا لنحيا الحياة ونعيش بحياة
 

لم يكنْ هنالك من ينصرها في حينها فأصبحت حياتها أقل ما يُقال عنها بأنها جحيم وعذاب يوميّ، كل ذلك كان كالعاصفة الباردة التي تقتلع كل شيء، حاولتْ الصمود مراراً وتكراراً. ولكن في النهاية أحستْ بأن لا طاقة لها على شيءٍ، ولم يكنْ لها إلا أن تضع حداً لحياتها هذه، فأقدمت على الانتحار!

باءت محاولة انتحارها بالفشل. إلا أن هذه الحادثة قد خلّفت صعوبة بالغة بالحركة نتيجة نقص الأوكسجين عن الدماغ، ولكن أيضاً نجمَ عنها قلبٌ جسورٌ تمرّس بالعذاب فباتَ لا يهاب. لا أعلم لمَ لم تنته حياتُها عند ذلك الحدّ؛ ربما لسوء حظها، أو لخيرٍ لا نراه ولكنّا نظل نتأمل حدوثه؛ لأن صاحب الخير موجود وقريب نراه بقلوبنا ونرى رحمته، مغفرته وإنصافه الشديدين.

عادتْ أم وتين تقاوم مرة أخرى ولمرات عديدة أيضاً. دون أن تدرك بأن ما تقوم به يفوق كل ما كُتب عن من نهضوا من المستحيل. عن كل تلك اللواتي وُلِدن بعد دفنهن وحرقهن.

زرتها منذ يوميْن، كانت تحاول جاهدة إتمام أعمالها رغم ضعف أطرافها وعدم قدرتها على حملها. كانت الخيمة التي تسكنها مرتبة بطريقة غريبة أدرك تماماً أنها الوحيدة القادرة على فهمها والوصول إلى ما تحتاجه. خلال فحصي لها حاولتُ طمأنتها على كل شيء، لكنها كانت تبتسم لي بشدّة وكأنها أصرّت في حينها على طمأنتي أنا ومدّي بالأمل.

لقاء أم وتين كان اللحظة الفاصلة التي جعلتني دون وعي أراجع سنوات خلت عشتُها وأنا أرمي بلومي على كل عثرة في طريقي. أنا ممتنة لها بذلك الكم من القوة التي قدّمتها لي

رَواد كان يقف في مقدمة الخيمة يتأملنا من بعيد بشعره المنسدل بنعومة على كتفيه. كانت عيناه تبرقان لي رغم أن ثغره لم يكن باسماً أبداً. فخُيِّل إلي أنه زعيمٌ من زعماء الصعاليك ينتظر رفاقه لينصروا المستضعفين ويمدّوا المحتاجين بمعونة يسرقونها من أفواه الأغنياء الجشعين. رَوَاد لم يكنْ إلا طفلها ذو الأربع سنوات. لُمت نفسي على هذا التخيّل أنا التي "ضد أن يصبحَ طفلٌ أي طفلٍ بطلاً في العاشرة". وتين كان أكثر حياةً ونبضاً، مدّ قلوبنا بشيء عصيّ على الوصف، وقعه كوقع أول الحب في القلب، خفيفٌ، ظريفٌ ولكنه قويّ.

الآن وأنا أكتب هذه الأسطر، أفكر بها. بتُ موقنةً بأن حربها الرئيسيّة لم تكنْ ضد احتلالٍ يمنعها من أن تدقَ حجراً يبني لها سوراً يحميها، ولا ضد زوجٍ خائنٍ استغلاليّ حرمها من نعمة العيش بحياة، ولا ضد مجتمعٍ أنانيّ يستمتع بتصنيف الناس وإطلاق التسميات عليهم؛ لا لشيء، إنما لكي يزيد من تهميش المهمشين ويحاول بكل قوته وموارده زيادة رفاهية الفئات الأكثر حظاً. لم تكنْ حربها الرئيسيّة ضد أي منهم، بل كانت حرباً شنّتها ضد ذاتها وضد عجزها.

أرادت أن تخبرني بأن لكل منا طاقة ذاتيّة مهولة، ولم توجَد بمحض الصدفة، إنما اُريد وقُدّر لها أن تعيش معنا، وتحيا محطاتنا؛ كي نستطيع الحفاظ على أجزائنا وعدم فقداننا أو تخلينا عن أي منها في أي محطة. أن لا نسلّمَ بأن لا طاقة لنا، وأنّا مغلوبون على أمرنا. نحيا الحياة فقط لأننا موجودون. بل نحن وُجدنا لنحيا الحياة ونعيش بحياة.

لطالما كنتُ أقول بأن ليس ثمة ما يُسمى باللحظة الفاصلة وأن كل تغيير نعيشه ما هو إلا حصيلة تجارب وخيارات عدّة نقابلها أمامنا وتؤثر فينا بطريقة تراكمية كما يضرب المطر بحافة الصخرة الجبلية الخشنة ليتركها ملساء كبتلة ياسمينة غضة. ولكن تجيء تلك اللحظة التي تجعلك تعيد التفكير بكل شيء، لقاؤها كان هذه اللحظة الفاصلة التي جعلتني دون وعي مني أراجع سنوات عدّة خلت عشتُها وأنا أرمي بلومي على كل عثرة في طريقي. أنا ممتنة لها بذلك الكم من القوة التي قدّمتها لي دون منّة ولا مقابل.