شعار قسم مدونات

أمّ و أبو عيد

blogs - عجوز
في كنفهما يجوز ما لا يجوز، الحلول في بيتهما عيدٌ يزداد ويُعيد. إن لم يكن لي من الدنيا حظٌّ سوى أن كرمّني الله بكما فهو قد أغدق عليّ نعم العطايا وعلى كلِّ إخوتي وأهلي ففضّلنا بكما على كثيرٍ من العبيد. الياسمين في بيتكما يفخرُ ويشيخ في سمو، خبيزةٌ بلون المرجان تُعمِّرُ وتتغنّى بكما من على شرفات النوافذ. شجرة جرانك وديعة تقف بمحاذاة باب المطبخ كملاكٍ صامتٍ يشاهد ويسمع الأحاديث، الضحكات والآهات على مائدتكما السخيّة لكلّ تلك السنوات.

تلك الشجرة التي تعلّقتُ أفنانها بالأمس، تسلّقها اليوم ابني في مشهدٍ يفوق خيال الزمن. يصعُب تخيُّل عدد المرات التي أتيت فيها وذهبت، عداد المرات التي تبدلّت أحوالي بين بسطٍ وقبض وكرٍّ

وفر وما زالت الشجرة حيّةً ناميةً في بقعتها بصبرٍ وثباتٍ ربانيّ.
أدفَعُ نصف عمري لأرجع بنت عشرة أعوامٍ خالية البال إلاّ من هموم الطفولة أو أصغر أجلس إلى مائدتكِ أتناول الإفطار برفقتك يا ستّي. قد آتي اليوم وقد أتناول الإفطار معك، لكنني ما عدت تلك الطفلة، ما عاد هناك ذلك الوقت الوافر بين يدي ساعاتنا. ما عاد ذلك التأنّي الناعس.

جدّي وستّي لم يخلق مثلهما في البلاد وأنا مسؤولة قانونياً عن كلامي. جدّي جدٌّ استثنائي في أنّه لم يستثني أحداً من فيء ظلاله، لم يكن جدّاً لي وحدي أنا فقط. جديّ كان جدّاً لكلّ من يراه صغيراً كان أم كبيراً. كان جدّاً للجيران وللأحبّة والخلاّن. إذا كان أبناء جيلي يقرأون قصص الحكماء ويسمعون بنوادر عظماء الرجال فقد كان عندي جدّي الذي لا يعرف صعباً ولا يعترف بالمُحال، كنت أعيش وأشُبُّ تحت يديه. إن لم أجد الإجابة عند أمّي وأبي فإنّي وبكلّ تأكيد سأذهب إلى جدّي وسيكون لي سنداً ناصراً ومجيباً، فلا يتوانى في إظهار انحيازه المحمود لي. وسأصغي لنصح ستّي فيُقبل شورها دون أدنى مساومةٍ أو سؤال. لم أكن ألقي بالاً لما يظنّه الآخرون بي ولكن كان جلّ ما يعنيني وما زال يعنيني رأي جدّي وستّي في كلّ صغيرة وكبيرة. كانوا دوماً حلفائي الأعزّاء.

وجه ستّي سراجٌ من الوضاءة الصبيحة، يداها المخمليتان ابتهالاتٌ في البركة، صوتها ترانيمٌ من الطمأنينة. كلماتها قاموسٌ منقرضٌ غابر من البلاغة الزاهدة التي ما تكلّفت ولا تصنّعت يوماً
وجه ستّي سراجٌ من الوضاءة الصبيحة، يداها المخمليتان ابتهالاتٌ في البركة، صوتها ترانيمٌ من الطمأنينة. كلماتها قاموسٌ منقرضٌ غابر من البلاغة الزاهدة التي ما تكلّفت ولا تصنّعت يوماً
 

أنتما كالتين "الزراقي" طيب العرق نغيب ونرجع وطعمه لم يتسنّه. أنتما كالذهب النبيل الذي لا يختلفُ على الناس ولا يختلفُ الناس عليه. الأثاث في بيتكما كما هو، جميلٌ وأليفٌ، يحفظ عهد الزمن ولا يتنكّر له محاولاً أن يتظاهر بالفتّوة الرعناء. كلّ شيءٍ يتبدّلُ ويتسارع ويختلِفُ عليّ إلاّ عبقُ أصالتكما وصدق حبكُّما.

في أيام قربي وبعدي، في مدّي وفي جزري كنتما الطمأنينة الثابتة التي تهدهد على نفسي وتقيها التقلبّات والتغيرات. كان يسخر مني أقراني حينما يعلمون أنّ أمتع هواياتي تتضمّن أن أحلّ ضيفةً على بيت جدّي. كانوا يستغربون ولا يفهمون الامتاع الذي قد تجده فتاةٌ بعمري هناك فينكرونه عليّ. لكنهم لم يكونوا يعلمون، وليتهم يعلمون.

عندما كنّا نزور بيت جدّي مع أمّي وأبي، كنت أرسب عندهم كتفل القهوة القابع في الفنجان. وإن علقت هناك فلا أمل من استرجاعي. كلُّ شيءٍ في بيت جدّي كان طقساً في حدّ ذاته. كانت تعيرني ستّي من ملابسها، فتخصِّصُ لي من قمصان نومها قميصاً لأيام الضيافة العفوّية المباغتة. ملاءات السرير عند ستّي فُرُشٌ من ورد الصابون الحالم العطِر. أنام وأصحو على إيقاع قيامها وقعودها عند الفجر. لا أهنأ من رقودٍ تَحُفُّه ركعاتها. لم أنم في حياتي أهنأ من نومٍ في غرفةٍ تصلّي فيها ستّي.

طعمُ الماء في أكوابها غير كلّ الماء، زمزم الحيّ. وكأن الماء العادي بفعلٍ معجزٍ يكتسب صفةً خارقةً سحرية إذا ما انسكب في حرمةِ بيتها. كوب الماء عندها بألف كوبٍ من عند غيرها. في الوقت الذي كانت أمّي لا تؤمنُ سوى بشاي الأكياس العمليّ والمناسب، كان الشاي الأسود السيلاني يمرحُ سائباً حرّاً في إبريق ستّي. الأرز السادّة من تحت يدي ستّي كان طعاماً لا يليق إلاّ بالملوك. وكان الأطفال ملوكاً عندهم.

أمّا الإفطار برفقة ستّي فكان حكايةً أخرى. كنّا نوظّب المائدة سويّاً فتسلق لي البيض، فآكل البياض وتأكلُ هي الصفار، وتقطِّع لي الزبدة قطعاً كالجبنة-و أنا التي لم أفهم سوى من وقتٍ قريب كيف تؤكل الزبدة هكذا عندما يطلبها أولادي. كانت تسمح لي بأن أشرب الشاي وتقول على مسمعي أعجب العبارات "امسحي حماتك" في إشارةٍ لضرورة مسح ما يتبقّى في الصحن. قصّصٌ تلو القصص تقاطعها لقمةٌ من هنا ولقمةٌ من هناك. ثمّ تأتي الحلاّبة وتنادي على أم عيد وتأتي أم المساكين وتنادي على أم عيد من شبّاك المطبخ.

الذي يبتعد عن أحبابه يخسر قربهم وأُنسهم ولكنه يكسب نعمة أن يتعاظم ويتألق جمالهم في عينه، يغنم أن لا يعتاد على نعماء حضورهم. فالبعد الغريب لا يحمل في جعبته إلاّ القليل الثقيل

وجه ستّي سراجٌ من الوضاءة الصبيحة، يداها المخمليتان ابتهالاتٌ في البركة، صوتها ترانيمٌ من الطمأنينة. كلماتها قاموسٌ منقرضٌ غابر من البلاغة الزاهدة التي ما تكلّفت ولا تصنّعت يوماً.

كان أبي يكدح لينتقي لنا أغلى وأجمل الثياب في سفراته الدانية والقاصية، وإذا ما سألني أحدهم من أين لك بهذا الفستان أو ذاك. فجدّي هو الجواب. وهل عندكم شكٌّ؟ جدّي جلاّب الخير والفرح. أمّا إذا سألوني عن اسمي الأخير فصابرةٌ لنهاية المطاف. طعم اللبنة البلدية التي كان يبعث بها جدّي مخصوصاً لي في أيّ بلدٍ كنّا نسكنها مع أهلي في سفرهم وترحالهم المستمرّ ما زال حاضراً على لساني.

مواهبه الخفيّة الفريدة وبراعته في انتخاب البطيخة الرابحة ما زالت من الأحاجي المدهشة التي لا تقبل التفسير. إبائه لابتذال الذوق العامّ وهو يعلِّق بأن جيل هذه الأيام "لا يعرف طعمة تمّه" ورفضه للانسياق وراء أنماط التسوّق المريح حيث كلُّ الحاجيّات تجتمع تحت سقفٍ واحد وإصراره على أن ينتقي كلّ حاجةٍ بيده من مصدرها مهما كان بعيداً هذا المصدر شأنٌ عظيم. فهو يأخذ على عاتقه ألّا يوضع على المائدة سوى ما يليق بعنايته لأبنائه وأبنائهم. جدّي وستّي تعاونا على تشكيل ذائقة جيلٍ كاملٍ من الذواقّة.

جدّي زائرٌ من الزمن النادر اللطيف، زمن الرجال الثقات، أولي الحُلُم والأناة. جدّي من فصيلةٍ نفيسةٍ آيلةٍ للانقراض. كان أصغر اخوته وتيتّم من أبيه في غرّة طلعته لكنّه شقّ طريقه بجرأةٍ وشجاعة وكان بحجم الدور الذي خصّه الله به. عمّر البيت برفقة ستّي رفيقة الدرب وأنيسته. وله كل النصيب من اسمه الصابر. أمّا ستّي فهي بكلمات أبي "قديسّةٌ" تدور في فلكها الخاص غير أفلاك الناس. همُّها الصلاة والسعي من صلاةٍ إلى صلاة، يتضاءل وزن الأوقات المالئة بين الصلوات في عينها فتختصِرُ في كلامها البسيط موسوعاتٍ من الكَلِم.

أم عيد وأبو عيد أنتم وطن العيد السعيد. أنتم وجه الخير الباقي في بلادي. أنتم الدحنون والعوسج الذي يطلع علينا كل ربيع بعطائه المبارك.

الذي يبتعد عن أحبابه يخسر قربهم وأُنسهم ولكنه يكسب نعمة أن يتعاظم ويتألق جمالهم في عينه، يغنم أن لا يعتاد على نعماء حضورهم. فالبعد الغريب لا يحمل في جعبته إلاّ القليل الثقيل. والمُبعَدُ يتذوّقُ طيفاً من توليفات الوجد التي لا تمنحُ نفسها للسان المجاور الذي دجّنته العادة الواجبة. ومسّدت أيادي الأيام حدّة حذقه. هو قريبٌ قرب ضرورة وليس قرب قصد.