التوظيف السياسي للخلاف العقدي

عملت السلطة السياسية المتعاقبة على توظيف الخلاف العقدي بين التيارات والفِرَق لتحقيق مكاسب سياسية أو إبعاد خصوم سياسيين محتملين لها. كان ذلك في كلّ الدول المتعاقبة من الأمويين والعباسيين والبويهيين والسلاجقة، وهكذا.     

 

وقد تكلّمنا في المقال السابق عن السلفية الأشعرية وصناعة الإقصاء والتطرف، وهنا نتحدث عن توظيف السلطة السياسية لتلك السلفيات المتشددة، سواء السلفية الأشعرية، أو السلفية الحنبلية، أو حتى السلفية الشيعية، لإعادة تموضع أو اكتساب شرعية، أو إقصاء خصوم، أو إستراتيجيات لا يُدركها الفقهاء ورجال الدين غالبا.

 

واللافت أنّ السلفيات على مختلف انتماءاتها دائما ما تعملُ في ظلال السلطة السياسية، فالسؤال المهمّ: لماذا تجنح دوائر الحكم إلى تصنيع سلفية، ولماذا تُفضّل التحالف معها على غيرها؟! سواء أكانت سلفية شيعية أو حنبلية أو أشعرية أو حتى معتزلية؟ فالسلفية المعتزلية قديما تحالفت مع السلطة العباسية لإقصاء خصومها، والسلفية الشيعية حديثا تحالفت مع السلطة الإيرانية أيضا لإقصاء خصومها، فما بنية التركيبات السلفية، ومكوّناتها النفسية والعلمية والبيئية، والمشتركات بينها التي أدّت بها إلى هذه المُخرجات؟ أظنّ أن الأمر يحتاج إلى دراسات علمية رصينة حيث لم يأخذ نصيبه من البحث العلمي المحترم بعد. 

 

ونلاحظ أن أغلب تلك السلفيات تكون متشددة جدا تجاه المجتمع على خلاف موقفها من السلطة، وفي مثل هؤلاء يقول القرافي: "إذا كان في المسألة قولان أحدهما فيه تشديدٌ والآخر فيه تخفيف يُفتي العامّةَ بالتشديد، والخواصَّ من ولاة الأمور بالتخفيف، وذلك قريبٌ من الفسوق والخيانة في الدين والتلاعب بالمسلمين ودليل فراغ القلب من تعظيم الله تعالى وإجلاله وتقواه".

 

 

فالسلفية المعتزلية التي جنحت إلى الغلوّ العقلي عملت تحت ظلال سلطة المأمون وأقصت معارضيها وأذاقتهم الويل والثبور، رغم أن الفكر الاعتزالي يؤمن بالحرية ورحابة الفكر، لكنه ضاق صدره أمام المخالفين له عندما تحالف مع السلطة، ورغم أن المعتزلة الأوائل مثل واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وغيرهما ابتعدوا عن السلطة السياسية، وحَكَم أبو موسى المردار، وهو من رؤوس معتزلة بغداد، بكفر من خالط السلطان، وهو منهج متشدد في أقصى اليمين أقرب إلى السلفية الجهادية، وفي المقابل تحالف المعتزلة من بعد ذلك مع السلطة بما يُشبه السلفية التقليدية، فالمقاربة الوسطية معدومة في الفكر السلفي بطبيعته. وعندما تخلّت السلطة السياسية عن المعتزلة في عهد المتوكل ونصرت المحدّثين والحنابلة، وما إن رأى الناس تحول السلطة عن المعتزلة حتى هجروهم، وصار الاعتزال سرًّا وتلاشى المعتزلة ككيان مؤثر بمرور الوقت.

 

ونجد السلفيةَ الحنبليةَ قد أقصت خصومها هي الأخرى لمّا أُتيح لها التحالف مع السلطة السياسية، فعندما وزر يحيى بن هبيرة للمقتفي والمستنجد من سنة (544-560ه/1149-1165م) كبتوا كلّ الأفكار المخالفة لهم بقوة السلطان، وتمّ منع أبو الفضائل بن شقران من الدرس في النظامية بسبب انتصاره لمذهب الأشعري.

 

وعندما دخل القشيري نظامية بغداد ونصر مذهب الأشعرية اعتدى الحنابلة على سوق المدرسة النظامية، فتصدّى لهم أتباع القشيري، وقُتل من الفريقين أكثر من عشرين قتيلا، واتّهم الأشاعرة الوزير ابن جهير بالتواطؤ مع الحنابلة. واستمرت الفتنة حتى تدخّل نظام الملك وأرسل رسالة إلى الخليفة يسأله عزل الوزير ابن جهير، فتم عزله إرضاء لنظام الملك الأشعريّ الذي رأى أن الشافعية ومن ثمّ الأشعرية أجدر القوم بمواجهة النفوذ الشيعي وليس الحنابلة أو المالكية. ولمّا استتب الأمر للشافعية والأشعرية تخلى كثير من فقهاء المذاهب الأخرى -خاصة المذهب الحنبلي- عن مذاهبهم بُغية الحصول على المزايا التي رصدتها السلطات للشافعية والأشعرية وقتئذ، أو طمعا في العز والجرايات بوصف ابن عقيل، الذي انزعج جدا من هذا التحول فقال مقولته الشهيرة: "إنّ أكثر أعمال الناس لا يقع إلا للناس"، كما نقل عنه ابن الجوزي.

 

وقد دخل وفد من علماء الأشعرية على طغرلبك السلطان السلجوقي، وكان حنفيا ماتريديا، يلتمسون منه رفع اللعنة عن الأشعري ومنهجه، فقال لهم: "الأشعري عندي مبتدع يزيد عن المعتزلة، لأن المعتزلة أثبتوا أن القرآن في المصحف وهذا نفاه". فنلاحظُ هنا أن السلطان أو الأمير الذي لا علاقة له بعلم الكلام يُرجّح مذهبا على مذهب، وهو غير مؤهل للنظر في العلوم الكلامية والفلسفية سوى أنه تأثر بمنهج وزيره عميد الملك الكندري الذي كان حنفيا متعصبا يميل إلى رأي المعتزلة. وهذا الخلاف الذي اتخذ مسارات الخلافات الفقهية والعقدية وتبعه اعتقالات لعلماء الأشعرية ولعنهم على المنابر، كل هذا ربما قد يكون بسبب مصالح خفية، فعميد الملك الكندري وزير طغرلبك كان بينه وبين رئيس الشافعية بنيسابور أبو سهل بن الموفق صراعا وتنافسا على الوزارة، وكان شافعيا أشعريا، فتخوّف منه الكندري وخَشِيَ من أن يثب على الوزارة كبديل له، فحسّن للسلطان لعن المبتدعة، فاتخذ الكندري ذلك ذريعة لثلب الأشعرية، كما ذكر السبكي في الطبقات.       

 

ينبغي أن يُدرك الفقيه أن حسم الخلافات الفقهية والعقدية ليست من مهمة السلطة، بل من مهمة الأروقة العلمية
  

إذن فالكثير من الخلافات الفقهية والعقدية التي ورثتها الأمة جيلا بعد جيل كانت ظواهر لخلافات سياسية عميقة بين فِرَق وتيارات وزعامات وقيادات، وزُجّ بالدين والفقه والعقيدة فيها، مما وسّع دوائر التطرف والتكفير. أي أنه يُمكن القول إنّ السلطة السياسية تتحمل جزءا كبيرا من التطرف الديني الحاصل، ومن التشظي المستمر لجماعات سلمية وتحويلها إلى جماعات عنيفة، وذلك بناء على خطط ومشاريع السلطة السياسية ورؤيتها للخارطة المجتمعية والدينية، وبحسب نجاحها في إسعاد شعبها أو فشلها، بحسب رضوان السيد. فلا بد من حلول تُخرج الفقه والفقهاء من الاستغلال والتوظيف، الذي لم يقتصر فقط على السلطة السياسية، بل تعدّى إلى توظيف الدين والفقهاء من الجماعات والأحزاب والفِرَق والتيارات. وهذه الحلول مثل:

 

1- فهمُ مهمّة السلطة: بمعنى أن يفهم الفقهاء دوائر ومهامّ السلطة السياسية، لأن أي سلطة سياسية لن تتردد في استغلال وتوظيف الدين والفقهاء لأجندتها وخارطتها الإستراتيجية إذا ما توفر لها ذلك.

2- عدم استحضار السلطة لحسم الخلافات: فينبغي أن يُدرك الفقيه أن حسم الخلافات الفقهية والعقدية ليست من مهمة السلطة، بل من مهمة الأروقة العلمية، والبحث والتفتيش الذي يتخذ مسافات واسعة بينه وبين الهوى والمصالح الشخصية. فحسم السلطة للخلاف الفقهي والعقدي لا يُميت الخلاف ولا يُنهيه بقدر ما يؤدي إلى انزوائه في الأزقة حتى يتاح له الجهر مرة أخرى فيمارس الإقصاء بمَن أقصاه، وهكذا لا نخرج من دائرة التطرف والتشدد، بسبب استحضار النفوذ السلطوي في الحقل العلمي المحض.

 

والخلاصة: أنّ حقانية المذاهب وصوابيتها لا يعتمد على مدى انتشارها وذيوعها بقدر ما يعتمد على مناهجها وأُسسها الذاتية، لأنّ السلطة السياسية على مرّ التاريخ الإنساني كلّه كانت تعمل وفق أجندتها ورؤيتها. وهذا يُنهي الصورة المرسومة عند بعض الحالمين من وجود الفقهاء أمام قاطرة الأمراء في التاريخ الإسلامي، لأنّ الواقع التاريخي غير ذلك عند مَن لا يحبّذون مدرسة الانتقائية التاريخية حسب وجيه كوثراني. فالتاريخ العمليّ شاهد على توظيف الدين والفقه والفقهاء سياسيا من قِبَل السلطة أيا كانت تلك السلطة، سواء كانت السلطة السياسية أو حتى سلطة الجماعة والفرقة والتيار والمذهب والطائفة. ويبقى السؤال: هل تتوفر إمكانية إبعاد عملية التأويل الديني عن حيّز السلطة وبنيتها وتعقيداتها وتركيبتها؟! 



حول هذه القصة

صديقي المتعلم، اعلم جيدًا إنما أنت معلم، هكذا كانت الثورات الثقافية، وهكذا كانت الإعلانات، ليس شعارات ترفع ولكنها همم تتحرك وجهود تبذل يسهم فيها العالم والمتعلم، وكل يبذل ما عنده.

إنّ الأروقة الأزهرية والمَضْيفة ومدرسة شيخ العمود وأخواتها تُعتبر بذرة مهمّة لتأسيس حوزة سنية، أو إحياء الحوزة السنية بصورتها الكلاسيكية القديمة. وهي مدارس تعود بجذورها سندًا ومنهجاً إلى المدارس العريقة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة