شعار قسم مدونات

بين التجديد والتبديد

BLOGS مكتبة

روى الإمام ابن الجوزي حادثة وقعت أثناء الحج في زمانه؛ إذ بينما الحجاج يطوفون بالكعبة ويغرفون الماء من بئر زمزم قام أعرابي فحسر عن ثوبه، ثم بال في البئر والناس ينظرون، فما كان من الحُجاج إلا أن انهالوا عليه بالضرب حتى كاد يموت، وخلّصه الحرس منهم، وجاؤوا به إلى والي مكة، فقال له: قبّحك الله، لِمَ فعلت هذا؟ قال الأعرابي: حتى يعرفني الناس، يقولون: هذا فلان الذي بال في بئر زمزم!

ومع قبح هذا الفعل وغرابته في آن واحد إلا أن هذا الأعرابي قد سطَّر اسمه في التاريخ رمزاً للسخافة بدافع الشهرة وحبِّ الظهور، وإن كان ذلك بازدراء المقدسات، والدخول من أحط الأبواب وأنتنها، ولكنه البحث عما يثير اهتمام الناس ويلفت انتباههم، وحذو القذَّة بالقذَّة… نجد اليوم من يأتي بالغريب من الأقوال، والمحدَث من الأفعال ليلفت أنظار الناس إليه، وكم من نكرات أصبحت معارف بسب دخولها في هذا النمط من التصرفات.

وإنَّ الناظر في حال الكثير من هواة الصعود السريع في زماننا إلى قمم الشهرة والإثارة والمتابعة الإعلامية يعمدون إلى الاستفادة من مدرسة ذلك الأعرابي، حتى أصبح فعله في زمزم سُنَّة يُقتدَى بها، فلقد رأينا من تعرض لثوابت الدين، ومن شكك بالسنن الصحيحة، ومن تجرأ على الإتيان بغرائب وعجائب لم يأتِ أحدٌ من قبل بمثلها.

معنى التجديد هو إحياء معالم الدين وتجديدُ حبله بعد انتقاضه، وإحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة، وتنقية الإسلام من كل شوائب الجاهلية التي علقت به

وإذا بعدنا قليلاً عن قصة الأعرابي وعمن سار على نهجه واقتفى أثره، فإنَّ أكثر ما يقوله هؤلاء الذين ذكرنا جانباً من أحوالهم إنما يقومون به باسم التجديد في الدين، أو بداعي الحداثة والواقعية، فماذا في تفصيل هذا الأمر وهل هو تجديد أو تبديد؟

لا شكَّ أنَّ التجديد قد جاء في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم (إنَّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها) رواه أبو داود والحاكم. وقد فهم علماء الأمة من هذا الحديث أن معنى التجديد هو: إحياء معالم الدين وتجديدُ حبله بعد انتقاضه، وإحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة، وتنقية الإسلام من كل شوائب الجاهلية التي علقت به، وكذلك تمكينُ الأمة من استعادة زمام المبادرة الحضارية في العالم مع مراعاة مصالح الخلق وسنن الاجتماع في الشريعة.

هذه معاني التجديد التي عرَفها أهل العلم وأولوا الالباب من أهل الحق قديماً وحديثاً. وخلاصة قولهم: إنَّ التجديد لا يعني إظهار طبعة جديدة من الدين ولا الاستعاضة عنه بشيء آخر مستحدث، وإنما هو محاولة العودة بالدين إلى ما كان عليه حين نشأ وظهر بحيث يبدو مع تقادمه جديداً.. أما أولئك الذين تقدَّم ذكرهم والذين هم باسم أهل التبديد أولى منهم باسم أهل التجديد، فإن قائلهم يقول: إن الأمة كلَّها دخلت في سرداب منذ عهد معاوية ولم تخرج بعد؟ وهي في انحدار وانحطاط، وإنَّ أصولها المعرفية لا يمكن البناء عليها، وكذلك لم يعرف لها نظام حكم وما وجد كان قواعد تنظيمية وأخلاقية عامة، وقد كان تاريخها تاريخ استبداد على طول الخط.

وإذا أراد هؤلاء أن يكونوا كرماء معنا فإنهم يستثنون من ذلك التاريخ فترة الخلفاء الراشدين ويضمون إليها فترة عمر بن عبد العزيز من قبيل النافلة! والعجيب من أمر هؤلاء أنهم يتنكّرون لكل تاريخ الأمة الحضاري الممتدِّ لقرون، ولا ينظرون إلا للقرن الأخير الذي تراجعت فيه الأمة وضعُفت ومرضِت. نعم؛ نحن نعترف بذلك ولا ننكره، ولكن الأمة مع ذلك لم تمُتْ ولم تصل إلى درجة الانحطاط الحضاري، حتى يأتي التغيير والتجديد وإحياؤها من خارج منظومتها.

إنه ومع الأسف؛ قد وُجد في هذا العصر من أبناء جلدتنا وممن يتكلمون بألسنتنا من يتنكر للماضي تماماً، بل ورأينا من يزدري أيَّ محاولة لإحياء التراث بحجة تقادم العهد وطلباً للتجديد، وأكثر من ذلك أنه يوجد في ساحة الفكر العربي والإسلامي من يتبنى الموقف الرافض لأي ربط بين الماضي والحاضر بحجة أنه لا يصمد أمام أيِّ تحليلٍ علمي دقيق، ويتنافى مع مفهوم التجديد المزعوم، ولو كان هذا الربط على سبيل استنهاض الهمم ورفع المعنويات.

التراث لأيِّ أمة هو جزءٌ من الذاكرة لها، فهل يمكن للإنسان أن يُخرِّب ذاكرته بحجة تقادم العهد؟! مع العلم أن جزءاً كبيراً من تراثنا هو ليس موروثاً بشرياً محضاً وإنما يستند إلى وحيٍ معصوم وحقائقَ ثابتة
التراث لأيِّ أمة هو جزءٌ من الذاكرة لها، فهل يمكن للإنسان أن يُخرِّب ذاكرته بحجة تقادم العهد؟! مع العلم أن جزءاً كبيراً من تراثنا هو ليس موروثاً بشرياً محضاً وإنما يستند إلى وحيٍ معصوم وحقائقَ ثابتة
 

فبزعم هؤلاء لا يوجد في التاريخ البشري أمجاداً معنوية تؤثر في يومٍ من الأيام باستنهاض الشعوب، وإن من هؤلاء من أعلن صراحةً (أن إحياء التراث إنما يكون بقتله) إلى غير ذلك من هذه الهرطقات.. إنَّ المتَتبع لهؤلاء الناس والذين يحبون أنْ ينعتوا أنفسهم بالباحثين والمفكرين يكاد يشعر أنَّ تاريخَنا تاريخ أسود يخجل المرء من الحديث عنه، ويشمأز منه عند العودة إليه فضلاً عن الاستفادة منه!

هذا وإنَّ التراث عموماً لأيِّ أمة هو جزءٌ من الذاكرة لها، فهل يمكن للإنسان أن يُخرِّب ذاكرته بحجة تقادم العهد؟! مع العلم أن جزءاً كبيراً من تراثنا هو ليس موروثاً بشرياً محضاً وإنما يستند إلى وحيٍ معصوم وحقائقَ ثابتة، ليس المجال متاحاً في هذه المقالة للاستفاضة في شرحها وبسطها. أقول هذا بغض النظر عن فترات الضعف وحالات الاضطراب التي تخللت مسيرة أمتنا الطويلة ،وبغض النظر أيضاً عن الأخطاء التي حدثت في تاريخنا نتيجة تعصب أو هوىً أو تجاوزات ارتكبت ونحو ذلك.

ولا يفوتني أن أشير أخيراً إلى أن حديثنا عن تراثنا الذي نعتز بالانتماء إليه ونؤمن بإحيائه والارتباط به ليس من قبيل التغني بالأمجاد، والبكاء على الأطلال كما يظن البعض، وإنما حديثنا عن تاريخنا ورجوعنا إلى التراث مقترنٌ بإفادتنا من الحضارة الحديثة وما وصلت إليه، والاستفادة من كل الإيجابيات التي عند الأمم الأخرى، وهذا ما يأمرنا به ديننا، جامعين بين الأصالة والمعاصرة، وبين السَّلفية والتجديد، وبين التمسك بالثوابت ومراعاة المتغيرات، وبذلك نحقق أمرين:

الأول: المحافظة على شخصيتنا مع الاعتزاز بهويتنا.
الثاني: الإسهام في الحضارة الإنسانية إسهاماً فيه خصوصيتنا وقيمنا التي تميزنا، فنأخذ بذوراً صالحة من تراثنا نزرعها في أرض الحاضر لتخرج ثماراً ناضجة في المستقبل هي جزء منا، وبهذا المعنى كما يقول أحد الباحثين: "يكون إحياء التراث هو الإبداع بعينه.. والأمة التي لا ماضي لها لا حاضر لها". وأُضيف: ولا مستقبل!..

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.