"قولوا لقطر".. عندما يتوعك الفن

blogs- قولوا لقطر
فيما يبدو أن الأغنية الأخيرة التي أطلق عليها قولوا لقطر "مع رؤيتها النور (ويا ليتها ما رأته) قد أغشت كل تواق ومحب للفن البناء، وأقصد هنا الفن الذي دأبت الحضارات على تزويقه والتفنن في عرضه بغية صنع الفارق في الأسلوب والذوق الحالي.
 
صحيح ما يقال ويكرر بأن الشعوب وفي كل الأزمات طالما تغريها النوتة الموسيقية وتصحبها إلى عوالم الإبداع والخيال إلا أنها ما زالت تبجل الكلمة التي تربطها بالواقع فلا مجال لنكران ذلك مع حقيقة مهمة مفادها أن الفن مخزون ورمز ما وصلت إليه الحضارات من سمو أو تهاو على حد رأي العظماء، لذلك من المستحسن والأجدر عقليا ألا يزج به في دوائر ضيقة ليصبح تجارة زهيدة أو رسالة مدحوضة وبالية كما حصل في هذا الحال.

ففي معرض حديثه عن الموسيقى يترك لنا المفكر العربي ابن خلدون في مقدمته رسالة يؤكد فيها بأن انحطاط الموسيقى هو مؤشر انحطاط كل حضارة، لأنها ربما الشاشة الأعمق للذات الإنسانية ومنها يبدأ الانهيار والسقوط وفيها تتجلى كل مؤشرات الرقي والتدني في آن.

ومن هنا أعود إلى السبب الرئيس الذي دعاني لكتابة هذا المقال، هو أن يسير حال الفن وعباراته إلى سوء السبيل وينحدر عن غايته الحسنة في بث الراحة في النفوس لتتنفس، ويحيد عن رسالته الأصلية في حمل المعاني البناءة ذات الجودة إلى العقول لتهتدي. فيا لها من معضلة حقا أن ينزل الفن ولو بنموذج إلى مستوى مضحك من التطبيل والتوعد، ما ينبىء ببداية عوارض توعكه وانحطاطه، وما يعكس انحطاط كل الحضارة على حد معادلة ابن خلدون، بالإضافة إلى سقوطه في مستنقع اللامعنى وأفصح من ذلك مستنقع التفاهة والانبطاح.

ما دام للفن العربي تاريخ طويل ومكسب محترم من باب المنطق أن لا نسيء إليه وأن نظلم تاريخه الحافل، فحتى وإن احتدم الصراع السياسي، لا بد ألا يزج بالفنان إلى قفص بث البغضاء والتحامل
ما دام للفن العربي تاريخ طويل ومكسب محترم من باب المنطق أن لا نسيء إليه وأن نظلم تاريخه الحافل، فحتى وإن احتدم الصراع السياسي، لا بد ألا يزج بالفنان إلى قفص بث البغضاء والتحامل
 

فقد لا يختلف اثنان سواء كانوا من النقاد الموسيقين أو من الناس العاديين في أن الأغنية قولوا لقطر والتي صدرت مؤخرا عن فنانين كان يشهد لهم بحلو الصوت ولباقة الغناء عربيا، تعكس المبالغة الفجة في استخدام مصطلحات عديمة المعنى الهدف منها خنق النفوس وتصفية الحسابات ونقل الحساسيات السياسية إلى دائرة العامة والخاصة ولا يعد هذا الهدف محمودا ولا نبيلا.

إنني لا أنفي جواز خلط السياسة بالفن ولا الفن بالسياسة، ولكن وإن حصل فينبغي التنبه أن ذلك يحصل التعديل والتدقيق وفق شروط خدمة الهدف السياسي النزيه، وهنا نعني أغاني التي تزيد من تأهب الشعوب وتحسيسهم الوطنية أغاني المقاومة والولاء للوطن، أغاني فيه تنطق حناجر الفنانين بكلمات جادة حاسمة تقعشر لها الأبدان حماسا، وإقداما وتمردا مجازا. وليس من باب التحجيم ولا المبالغة قولي أنني سمعت كلمات هذه الأغنية بتركيز وتمعّن أكثر من مرة وفي كل مرة أقر بعدم جواز تسميتها بالأغنية فهي كم من عبارات مدحوضة وبالية هي أسطر غامضة خالية لا حس فيها ولا معنى ولا ذوق.

فلا موسيقاها تطرب نفسا ولا كلماتها تطرب عاقلا أو تخفي قبح الموسيقى المصاحبة، ويجدر من الناحية العقلانية والموضوعية لإنصاف فننا، الإشارة والتذكير بأن الفن العربي قصة طويلة، فهو ليس مسيرة يوم أو يومين، لذلك ليس غريبا أن يحتكم إلى شروط ومعايير منظمة. وما دام للفن العربي تاريخ طويل ومكسب محترم من باب المنطق أن لا نسيء إليه وأن نظلم تاريخه الحافل، فحتى وإن احتدم الصراع السياسي، لا بد ألا يزج بالفنان إلى قفص بث البغضاء والتحامل.. فلا ننسى أن هذا الأخير لا يختلف مع كاتب التاريخ في صفة التروي والحنكة.

ومن أشد المهانة أن يصبح الفنان بوقا دعائيا لترسيخ الأحكام العدائية، يالها من مصيبة أنّ يوَظّف الفنان لأهداف خارجة عن جمال الفن وروعته. فللفن دور عظيم ومكانة أعظم ورسائل دلالية لا بد أن لا نبخسه قيمته بكلمات سطحية بلا لون ولا ذوق ولا رائحة.

أذكر هنا أن حتى العالم الفيزيائي أينشتاين كان يعظم دور الموسيقى ويقول: لو لم أكن فيزيائيا من المحتمل أن أصبح موسيقيا.. غالبا ما أفكر بالموسيقى.. أحلام اليقظة لدي موسيقى، وأنظر إلى حياتي بدلالة الموسيقى.. أجمل أوقاتي هي تلك التي أقضيها في العزف.