حياةٌ.. ليست كما نريد!

blogs - alone man

أُحبّ الحياةَ التي اخترتُها لنفسي ولكن أكرهُ التي أنا فيها.. لطالما تغنّى البعض بالحياة وجمالها وطار بهم الطموحُ إلى عُرعُرةِ القممِ ولكن صفعةُ واقعٍ من الدنيا قد تَردِفُهم إلى وُديانِ الإحباطِ وأقبيةِ المجهول، وكأنّ نطاق ما تمنّيناه محصورٌ ضمن إطارِ الأحلام من غير تلاقٍ للأمنيات مع واقعِ الأقدار، فتُنسى الأهدافُ وكأنّها جيفةٌ قد دَثَرتْها الرمالُ وابتلعَهَا البحرُ في قاعِهِ العميقِ حتى لم يَعُدْ لها أثرٌ بعد أن تجرّعت أنفُسُنا مرارةَ العَلْقَمِ من كأسِ المَهُونِ واحتَسَت من إِناءِ الآلام.

  

مؤلمةٌ هذه الحياة التي تغتالُ شبابَنَا الذي أزهرَ بعد أن أخذَ مِنّا ما نُحِبُّ وأُعْطِينا ما نَمْقُتُ، وكأن الطّاقة التي لدينا ورُوُحُ شبَابِنا قَدْ كُتِبَ لها النّفَاذُ في سبيلِ التضحيةِ وحُرّمَ عنها الاستعمالُ في سبيلِ الإنتاجِ والإبداع.. كيف لِيَ أن أُحبَّ الحياة التي أنا فيها بعد أن تيقنّت أنّي كُنتُ الصّرخة لأُمّي حين جائَهَا المَخَاضُ، وأنّ قلبيَ -وأمثالي- قَدِ احتَمَلَ ما لَم يُدركُه عَجُوزٌ سَبْعِينيٌّ مُتّكِئٌ على عُكّازِهِ الهَرِم بعد أنْ أفْنَى عُمُرَهُ في صَولاتٍ وجَولاتٍ مع مَقَاسِي الحياة وكُرُبَاتِها، وأنا ما زِلتُ في العشرين من عُمُري والأَسَى يَحتَضنني والشّقاءُ يعْتَرِيني والبُعْدُ يقتُلُني والشّوقُ يَفْتِكُ بِيَ ويَشُقَّ شُرُوخاً في رُوحِيَ التي ذَبُلَت كيَاسمِينَةٍ بيضاءُ تلاشَت نُضْرَتُهَا بعد أنْ أضْنَاهَا العَطَشُ ولَمْ تَلْقَ السّاقِي؟ 

 

كُرْهِي لِمَا أنا فيهِ هُو الدّافِعُ الأكبَرُ على الاستمرار للنَيلِ مما يُسَابِقُنِي اليَأسُ عليه، فإن أنا اسْتسلمتُ رَضَخْت أنظارِي لليَأسِ وعَمَت في ظلامِهِ
كُرْهِي لِمَا أنا فيهِ هُو الدّافِعُ الأكبَرُ على الاستمرار للنَيلِ مما يُسَابِقُنِي اليَأسُ عليه، فإن أنا اسْتسلمتُ رَضَخْت أنظارِي لليَأسِ وعَمَت في ظلامِهِ

أنا لا أكرهُ الحياةَ بمعناها الحَرفيِّ بَلْ أَكرَهُ الحياةَ المُحيطَةُ بِنَا!، حياةٌ لا تحتوِي إلّا على الموتِ والدمارِ وكأنّها مسرحٌ لمشاهِدَ مُفْجِعَةٍ تَرَاهَا الدّنيا تُمَثّلُ على أجسادِنَا وكأنّها حُقولُ تجاربٍ للتَأكّدِ من وَأْدِ الإنسانيّةِ والمُضيُّ بِنَا كما تَهوى المتاعِبُ لا كَمَا شاءَتْ أمَانِينا. إنَّ أكثرَ ما يَضِيقُ بِهِ الإنسانُ هو أنْ يَسْلُكَ طريقاً يَرَى في نِهايَتِهِ أمجادٌ قَد صُنِعَتْ أثناءَ مَسيرِهِ فِيه فما أنْ يَبلُغَ نِصفَهُ حتّى تتهاوَى عليهِ المصائبُ وتُكَلَّبَ أقدامُهُ بالشّدائدِ وتَصُبُّ الدنيا لِجَامَ غَضَبِها عليه، فَلا تَقوَى نَفسُه على المُضِيِّ قُدُماً ولا أَمْكَنَتْهُ الإرادةُ على الرجوعِ ويَبقَى خَوّارَاً مَسلُوبَ القُوّةِ على شَفَا جُرُفٍ من اليَأسِ مَسحُوقَ الأملِ وهزيلَ الإرادة؛ مدفوعٌ إلى الوراء!

   

مَتى آمَنَ المَرْءُ في مَطْلَبهِ تَجَزّأَ إِيْمَانَهُ إلى قِسْمَينِ: أحدَهُما فكرةٌ، والأُخرَى عقيدةٌ تجعلُ فكرتَهُ ثابتةٌ لا تتغيّرُ

كَثرَةُ الابتلاءِ ليست إلا للتأهيلِ النفسيِّ والروحيِّ ولَن يبلغَ الناسُ ما تَمَنّوهُ حتى يكونوا كالقَمْحِ في مَراحلِه يَنْبُتُ ويشتدَ عُودُهُ فيُقْطَعَ عنه الماءَ حتى تَشْتدَّ قِوامُ حَبّاتِهِ فَتُحْصَدَ وتُطْحَنَ وتُعْجَنَ وتُخْبَزَ حتى تتكوّنَ غِذَاء، فَإنْ لَم نصنَعَ مِن كلِّ مُصيبةٍ وعَائقٍ في طريقِنا درجةً لسُلِّم صعودِنا ضَاعَت أمانِينَا وغَرِقَ مَا نَأمَلُهُ في مَقابِرِ التقصيرِ وصحراءِ النسيان، لأنّ الأمجادَ لا تأتي بالانتظارِ على الرصيف في حافّةِ الطريق بَلْ في اجتيَازِهِ مهما كَثُرَتِ المصائِبُ والكُرُبات.

  
كُرْهِي لِمَا أنا فيهِ هُو الدّافِعُ الأكبَرُ على الاستمرار للنَيلِ مما يُسَابِقُنِي اليَأسُ عليه، فإن أنا اسْتسلمتُ رَضَخْت أنظارِي لليَأسِ وعَمَت في ظلامِهِ، وإن تَيَقّنتُ أنّي مَرَرْتُ بما يَمُرُّ به القَمْحُ في دُرُوبِ الحياةِ من مَرَاحِلَ تأهيلٍ وإعدادٍ فالتَراجُعُ مُعُيبٌ والاستسلامُ قَبيحٌ ولن أكونَ حينها سِوى حالماً بأحلامِ اليقظةِ ومُعْتَدٍ على حياةٍ هي لغيري ممّنْ ثابَرَ واجتهدَ فنَالَ ووَصَل.

  
عَزيمُ الإرادةِ شيمَتُهُ العِنَاد والعنيدُ حاصلٌ على ما أراد ومهما اجتهدَت الدّنيا على إِمتَان جُدرَانها لن أرتَطِمَ بجدارٍ أَعْنَدَ من رأسي، فالرّغبةُ عارِمةٌ في اقتلاعِ الرّوحِ والهروبِ بها من سجنٍ لا ذنبَ لها فيه، الإيمانُ راسخٌ بصواب الطريق المختار، اجْتيَازُهُ يقينٌ ثابِتٌ ليسَ مثارَ جَدَلٍ ولا مَوضِعُ مِرِاءٍ، فَمَتى آمَنَ المَرْءُ في مَطْلَبهِ تَجَزّأَ إِيْمَانَهُ إلى قِسْمَينِ: أحدَهُما فكرةٌ، والأُخرَى عقيدةٌ تجعلُ فكرتَهُ ثابتةٌ لا تتغيّرُ، وزَارعةٌ في نَفْسهِ عزيمةٌ لا تتلاشى مع كَثْرَةِ الكَبَوَاتِ في طريقِهِ.