لماذا على الجميع أن يدعم خالد علي مرشحاً للرئاسة؟

Egyptian lawyer and ex-presidential candidate Khaled Ali, speaks during a news conference in Cairo, Egypt, November 6, 2017. REUTERS/Mohamed Abd El Ghany
حين يُعرّف ميكافيلي السياسة على أنها "فن الممكن"، لا يعني ذلك أنه يطلب من ممارسها أن ينزع عن نفسه رداء مرجعيته ومنظومته الأخلاقية، بل يحدد للممارسة السياسية إطاراً دقيقاً هو إطار الممكن، وكل خروج عن هذا الإطار هو درب من المغامرة ومعاندة لسنن الله ونواميسه في كونه، ونواميس السياسة كنواميس الكون لا تحابي أحداً.
بإعلانه ترشحه للرئاسة، فتح خالد علي جدالاً لا تنضب إشكالاته، حول جدوى ترشحه من الأساس. فجادل البعض حول كون ترشحه تجميلاً آخر للنظام، ودماء جديدة تضخ له لتزيد من شرعيته المتآكلة، وهي الدماء التي يمنحها خالد علي تطوعاً كما منحها حمدين صباحي من قبل. وتهكم آخرون على الترشح معللين ذلك باستحالة إحداث تغيير ثوري عن طريق الانتخابات.

وبادئ ذي بدء، يلزمني التوضيح بأن هذا المقال ليس دفاعاً بأي شكل من الأشكال عن شخص خالد علي، بقدر ما هو دفاع عن فكرة الترشح في حد ذاتها، وعن الأهمية المتزايدة للطرح القائل بضرورة الانخراط في العملية السياسية، والتوقف عن تصور السياسة كمعركة صفرية.

لم تقف جماعة الإخوان المسلمين مكتوفة الأيدي أمام رغبة النظام في إنهاء وجودها، فانبرت تمارس الفعل السياسي في مساحات التهميش، حيث الشوارع والميادين
لم تقف جماعة الإخوان المسلمين مكتوفة الأيدي أمام رغبة النظام في إنهاء وجودها، فانبرت تمارس الفعل السياسي في مساحات التهميش، حيث الشوارع والميادين
 

تعاني مصر منذ الثالث من يوليو مما يمكن تسميته بظاهرة موت السياسة، فسيطرة الجيش على الحكم لم تكن سيطرة عسكرية وفقط، بل كانت في الحقيقة إعلاناً سافراً بموت السياسة، ومنذ تلك اللحظة وقد عمل النظام على قتل الممارسة السياسية المعارضة إكلينيكيا. وبدا أن للنظام رغبةٌ واحدة تبدو جلية للغاية وهي رغبة جامحة في وئد الممارسة السياسية. فرفض النظام تقديم أي تنازلات منذ البداية مهما صغرت، ورفض كذلك الانخراط في أي مفاوضات مع المعارضة وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين.

وكان هذا إعلاناً صارخاً عن رغبة النظام في إنهاء أي فعل سياسي معارض خارج دائرة تحكمه وسيطرته. وليُحكِم النظام هذه الخدعة كان لا بد من إيجاد كيانات حزبية ومجتمعية، تقدم صورة متوهمة عن نوع من الممارسة السياسية يتحكم فيه النظام بشكل كامل ويحركه كيف يشاء. ومن ثم جاءت الإنتخابات البرلمانية لترسم هذه الصورة المتوهمة.

لم تقف جماعة الإخوان المسلمين مكتوفة الأيدي أمام رغبة النظام في إنهاء وجودها، فانبرت تمارس الفعل السياسي في مساحات التهميش، حيث الشوارع والميادين، ورفضت في الوقت نفسه أي انخراط في أي عملية سياسية مع النظام وممثليه. ودخلت بذلك في معركة صفرية، كان شعارها إما أن أربح كل شيء أو فليذهب الجميع إلى الجحيم. ورفضت الجماعة ومن نحا نحوها تأييد أي من المرشحين في انتخابات الرئاسة 2014. ورأى البعض أن هذا الموقف الراديكالي الذي تبنته هذه الحركات كان وليداً للحظة التاريخية، ومعطيات الشارع أكثر من كونه رؤية سياسية واضحة المعالم، فالخطاب الشعبوي الجماهيري لهذه الحركات ومن ورائه خطاب نخبتها كان يردد جملة بسيطة: لا يمكنك أن تترشح أو تجلس على طاولة مفاوضات مع نظام انقلب عليك واعتقل قياداتك وقتل شبابك.

اعتادت الحركات الإسلامية على مدار تاريخها على التعامل مع الانخراط في العملية السياسية على كونه جسر تسلكه  للعبور إلى يوتيوبياها المتخيلة

هذه الجملة على صدقها كانت اختزالاً فجاً لكل ما يمكن فهمه عن علم السياسة أو الممارسة السياسية، وهنا المعضلة الحقيقة، فقادة هذه الحركات ورغم دراسة كثير منهم لعلم السياسة، وإدراكهم لحقيقة استحالة ممارسة فعل سياسي بمنطق المعادلة الصفرية؛ لكن مع ذلك استمروا في هذا المسار. وربما يرجع هذا بالأساس لأن الشارع المناصر لهذه الحركات كان أقوى من نخبتها وقاداتها، فباتت هذه النخبة مجرد صدى للخطاب الشعبوي المتشنج، وبدلا من أن يمارس السياسي دوره كمهندس للمشهد السياسي، بات تابعاً للشارع يحركه كيف يشاء.

ويوماً بعد آخر كانت تتزايد تكلفة الجلوس على طاولة المفاوضات على هذه الحركات، في حين تقل على الطرف الآخر وهو النظام، لكن لم يمتلك أي من قيادات هذه الحركات الجرأة الكافية ليقف ضد التيار. بل استمروا في الذود عن خيارهم الراديكالي المتمثل في التظاهر والاعتصام لتغيير النظام. وهو الخيار الذي أثبت فشله على مدار الأعوام التالية للثالث من يوليو.

فشل الخيار الراديكالي لهذه الحركات كان من شأنه أن يدفعها لأن تتواضع وتذعن لنواميس الممارسة السياسية وأن تقبل بممارسة السياسة في إطار الممكن وليس المأمول. لكن هذا لم يحدث إلى الآن. بل رفضت هذه الحركات أي انخراط في العملية السياسية سواء بدعم حمدين صباحي في 2014، أو رفضها المتوقع لدعم خالد علي في 2018.

وترجع هذه الحركات رفضها هذا لسببين رئيسيين، أولهما عدم الحاجة للدخول في انتخابات رئاسية ستزيد حتماً من شرعية النظام، مع رهانها المستمر على التظاهر كأداة لتغييره. لكن من الواضح أن هذا يختلف الآن بالكلية، فالنظام وبشكل مادي بحت يتمتع بالشرعية الفعلية، وكل ما يمكن الحديث عنه هو مستويات مرتفعة من الرفض لكنها تظل حبيسة الفؤاد، أو مواقع التواصل الاجتماعي؛ لذا فهي تظل بلا قيمة على الإطلاق على الأقل في المدى القصير والمتوسط.

السبب الثاني هو رفض على أساس أخلاقي، بسبب ما ارتكبه النظام في حق هذه الحركات من قتل واعتقال وغيره. وهنا يحق لنا أن نسأل ألم يكن نظام مبارك مجرماً وقاتلاً ومع ذلك انخرطت هذه الحركات معه في عملية سياسية كاملة؟ أولم يكن المجلس العسكري كذلك قاتلاً وكاشفاً للعذرية وانخرطت كذلك هذه الحركات معه في عملية سياسية كاملة؟

على الداعمين لخالد علي أن يحترموا مساحات الحركة المتاحة، وأن يخرجوا من وهم إمكانية فوزه بالرئاسة، فمن المعلوم أن النظام لن يسمح بذلك تحت أي حال من الأحوال
على الداعمين لخالد علي أن يحترموا مساحات الحركة المتاحة، وأن يخرجوا من وهم إمكانية فوزه بالرئاسة، فمن المعلوم أن النظام لن يسمح بذلك تحت أي حال من الأحوال

في الحقيقة اعتادت الحركات الإسلامية على مدار تاريخها على التعامل مع الانخراط في العملية السياسية على كونه جسر تسلكه هذه الحركات للعبور إلى يوتيوبياها المتخيلة، فيتم القبول بالشراكة مع التيارات اليسارية والليبرالية ليس إيماناً بإمكان تحقيق شراكة معها في إدارة الدولة بل كشراكة مؤقته تنتهي بالتمكين لهذه الحركات. هذا الخطاب البرجماتي تغير تماماً في الحالة المصرية بعد انقلاب الثالث من يوليو إلى خطاب راديكالي صفري. وهنا السؤال المهم وهو على أي أساس تمارس هذه الحركات الفعل السياسي؟ وهل الأرضية هي أرضية برجماتية أم أرضية قيمية؟ ومتى يستدعى أي منهما؟

هذه الاختلافات الطارئة على حالتي الترشح لحمدين وخالد علي، تجعلنا نقول وبملء الفيه، أن ترشح خالد يختلف تماماً عن ترشح حمدين. وبالتالي على الجميع أن يخرج من يوتيوبياه. فعلى الإسلاميين أن يدركوا صعوبة تغيير النظام بفعل ثوري كما حدث في يناير، وبالتالي ضرورة التمتع بمستوى أعلى من المرونة السياسية وتغيير لأساليب الممارسة السياسية. وعلى الداعمين لخالد علي أن يحترموا مساحات الحركة المتاحة، وأن يخرجوا من وهم إمكانية فوزه بالرئاسة، فمن المعلوم أن النظام لن يسمح بذلك تحت أي حال من الأحوال. وهذا يعيدنا إلى تعريف ميكافيللي للسياسة على أنها فن الممكن. فالحالة المصرية الآن تعاني من حالة ركود سياسي كامل. وفعل الترشح هو فعل لكسر هذا الركود وتحريك للمياه الراكدة ليس أكثر. وهو بالعامية المصرية فعل "مناغشة " يؤرق النظام، ونعيد به بعضاً من الحيوية إلى الشارع المصري.

وسواء كنت من المؤمنين بالتغيير الرأسي بتغيير هرم السلطة أو بالتغيير الأفقي من خلال الجماعات الوسيطة، فأنت بحاجة إلى أن يُفتح المجال العام من جديد. وهذا شيء يكتسب ولن يمنحه النظام مختاراً على الإطلاق، لذا فانتخابات الرئاسة فرصة جيدة إن أجيدَ استغلالها لتحقيق ذلك.