كرامة المواطن أولا ثم الخبز أخيرا

Blogs- syria

خلق الله الإنسان وكرمه على كافة الخلائق التي أوجدها على هذا الكون وميزه بالعقل والفكر، ومن خلالهما سخر له جميع ما تحويه الأرض من خيرات، لكن بعد أن يستخدم عقله وفكره، ويعرف كيف يستفيد منهما وكيف يتعامل معهما، من خلال هذا العقل والفكر عرف الإنسان القدرات والمواهب التي يتمتع بها، وعرف أيضاً ما هو أعمق من ذلك، كرامته وقيمته وإنسانيته، فأصبح يناضل من أجلها، لأنه بدأ يدرك أنه لا يمكن أن يعيش على هذه الأرض من دون هذه القيم العظيمة، وهي احترام هذه الروح قبل الجسد.

        

احترام هذه النفس قبل أي شيء آخر، افتقادها يعني افتقاد إنسانيته التي ستحوله إلى وحش لأخيه الإنسان، أيّ يصبح أكثر من الوحش، الوحش ليس لديه هذا الفن ليتفنن في القتل والدمار. إن كرامة الإنسان لا تتجزأ مثلها مثل كل القيم، العدل والشورى والمساواة والحرية، مطلقات وثوابت، بحث عنها الفرد منذ القدم وناضل من أجلها، وصنعت حضارات وهدمت بسببها، وكتب التاريخ قصص أبطال ناضلوا من أجل كرامتهم وحريتهم التي طالما آمنوا بها، نثروا السلام والعدل والمساواة، ودثروا كل تكهن وجبروت، ضحوا بأرواحهم في سبيل استعادة هذه الكرامة بعد ما ضاق بهم الظلم والتجني.

     
وبه فمن حق أي مجتمع أن ينال قسطه من تلك القيمة لازمة له، لا تفارقه ولا يفارقها تظل لصيقة بآدميته لا تنفك عنه طالما أنه محض آدمي، وإذا لم يجاهد الشعب في سبيل كرامته فلا مناص من الاستخفاف به وإهانته، فهما طريقان للحياة لا ثالث لهما، والشعوب هي التي تحدد مصيرها بنضالها ومقاومتها لكل أنواع الإذلال والطغيان، ولعل من الثمار الناضجة، والنتائج الباهرة، التي حققها الربيع العربي الديمقراطي، أنْ أعادَ للأمة اعتبارَها، وأشعرَها بقيمة كرامتها، وعلُوِّ حريتها عن كل السفاسف والاعتبارات الطينية التي دأبت أنظمة الاستبداد على إلهاء الشعوب بها، وإحساسها أنها صاحبة الفضل عليها، وعلى بقائها على قيد الحياة تنعم من أعطياتها التي لا تنفذ؛ فتعطيها " كسرة الخبز"، بعد أن تنتزع منها الولاء لسلطانها العظيم، وجبروتها المخيف.

           

الشعوب التي تحركت لإسقاط أنظمتها المستبدة لم يكن محركها هو
الشعوب التي تحركت لإسقاط أنظمتها المستبدة لم يكن محركها هو "كسرة الخبز"، إنما تحركت لتحيا حياة الحرية والكرامة
 

فمن عرق الشعوب المتصبب على جبينها المحترق بلظى الشمس الحارقة، وبلظى الخنوع الدائم لِهَيْلِها المُتعالي، سواء إلى مساءلة أفعالها، ومتابعة إنجازاتها، بمزيد من الإذلال المُذِل على أيدي بعض حكامها الذين تمادوا في التسلط والظلم، وصارت شعوبهم لا تساوي شيئا عندهم بل ربما اعتبروها مجرد قطعان من الأنعام يسوقونها كما يشاءون بالسياط على الظهور والسيوف على الرقاب. وفي ظل هذه الوحشية التي تعددت صورها من الظلم أو العدوان والتجني، الإذلال والإخناع التي توالت على الشعوب العربية لعقود من الزمن في خدمة حاكم ينعم بكل "أدوات" الترف والتنعم والاستجمام، ويمارس كل أساليب القهر والاستبداد والاستعباد وتكميم الأفواه وإلجام العقول، والكل منضبط في طابور طويل يمد يده لعطاء يناله من "السيد الكبير" في استجداء ترسخ في هذه العقول التي توقف عندها التفكير منذ أن عَقَلَت أن المستبد الذي يحكمها هو "رازقها" الذي عليها أن تخضع له، وتتقيَ غضبَه وجبروتَه، وتتوسَّل عطفَه وعطاءَه، وتخدُمَه، ثم تشكره أن اختارها في خدمته!

   
نعم، لقد كانت بداية الانعتاق الذي عرفته هذه الشعوب من حكم الأنظمة المستبدة، يوم وعت أن كرامتها أولى من "كسرة الخبز" التي يقدمها لها "سيدها" على طبق المذلة، والخنوع والتساقط على الأعتاب، مقابل الاعتراف بشرعية أسقطتها سنون الاستبداد، والظلم، والدوس على كرامة الشعب وعظامهم والولوغ في دمائهم، نعم لقد أفلحت هذه الشعوب حينما سلكت سبيل البحث عن الكرامة المفقودة والحقوق المهضومة، وضحت من أجل ذلك بـ "كسرة الخبز"، فلم ترض بغير كرامتها وحريتها "مطلبا" لحراكها الجارف.

  
فالشعوب التي تحركت لإسقاط أنظمتها المستبدة من طاغوت تونس، ونَظِيريْه في مصر واليمن، والتي انتفضت في سوريا ضد فرعونها "المُسْتَأسِدِ"، لم يكن محركها هو "كسرة الخبز"، ولا مطالب مادية تسعى لها للتنعم بحياة تَرَفِيَّةٍ رخيصة، بمعيار الشرف، كما يتوهم بعض كُتَّاب الفرش والأرائك الناعمة، إذ لو شاءت لحققت هذه الأماني الطينية بأقل الخسائر، ولظلت في "حِمَى" الطاغوت تنعم بالفُتات وتُصَفِّق على ذقون المذلة، وأعتاب السقوط. ولكنها إنما تحركت لتحيا من جديد، حياة الحرية والكرامة، وهي تعلم علم اليقين وحقه وعينه أن لهذه الحياة الجديدة مخاضا برائحة الموت، يموت من أجلها جيل، لتعيش أجيال. فانتصرت لرغبتها وإرادتها في التغيير على جيوب مقاومة التغيير ومدافعيه. وكان ما كان، من الهبَّات والتدافعات التي غيَّرت الخرائط، وبدلت الوجوه، وصححت العناوين والمفاهيم من تبعية واستلاب إلى حرية وكرامة وعزة.

 

الكرامة التي أقصدها هي مُعْطًى فطريٌّ جاء مع الإنسان إلى هذه الحياة، وليس لأحد أن يَمُنَّ به على أحد. فالتكريم ثابت في حق الإنسان
الكرامة التي أقصدها هي مُعْطًى فطريٌّ جاء مع الإنسان إلى هذه الحياة، وليس لأحد أن يَمُنَّ به على أحد. فالتكريم ثابت في حق الإنسان
 

أول الطرق لمعانقة الحرية واستعادة الكرامة وتشوف إلى العدل، إزالة كل العوائق التي تحول دون الوصول إليها من جهل وفقر ومرض، إذ في ظل استحواذ هذه العقبات الثلاثة لا يمكن الحديث عن شرف إنسان وكريم عيش، لكن من يتتبع الحقائق الاجتماعية في هذا القطر يدرك أن الأمور لا تزال دون المأمول. فما نعيشه اليوم بين ظهراني حياة نضالية قاتمة، عبوسة، ران على نفوس مدبريها الكثير من الذل، والخوف، والانكفاء إلى فُتات الطين والماء، والصراع من أجل البقاء البهيمي الحيواني، عوضا عن النضال من أجل العروج في سلالم الأنسنة المُكرَّمة، التي تصوم عن فُتات العطاء لتفطر على معالي العزة والكرامة والاعتبار وترفع الحيف.

         

وتقيم إنسانية الموظف بما هي قدرة على التعبير الحر، والعيش الكريم الذي يعني التمتع بكرامة حياة الإبداع والعطاء الخالص من كل وصاية تُوَجِّه وتقود نحو ما يريده المسؤول، ويبغيه المُدَبِّر، وتشتهيه نفوس مرضى بحب القيادة والكرسي، والدرهم والأورو، وبما هي كذلك فتح لباب الإبداع الحر، والعطاء المطلق، الذي يُشعر الموظف أنه موجود، وأن له رأياً، وأن له اعتبارا عند "صناع القرار"، وأن له القدرة على المشاركة والاشتراك في تدبير شؤون "المنظومة"، والمساهمة في فعاليات إصلاحها، واقتراح الحلول لإشكالاتها. لا مجرد كائن مستهلك يتلقى الأوامر والتوجيهات، ويطبقها دون رأي، ثم يُحاسَب عليها، ويتحمل وحده مسؤولية فشلها.

    
وتجدر الاشارة إلى أن الكرامة التي أقصد إلى إثارة الانتباه إليها ها هنا، ليست تلك الكرامة التي يربطها البعض برغد العيش وهناء البال، والتي يحققها التمتع بأزاهير الحياة من مطالب طينية، حيوانية، رخيصة، إنما الكرامة التي أقصدها هي مُعْطًى فطريٌّ جاء مع الإنسان إلى هذه الحياة، وليس لأحد أن يَمُنَّ به على أحد. فالتكريم ثابت في حق الإنسان "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ" (الإسراء،70)، وهو "ملكية فردية" له، لا يحق له أن يتنازل عنها. ومن فرَّط فيها ضلَّ الطريق، وسار إلى إهانة نفسه، وتسبب في "تجريء" غيره عليه. لذلك لا أعد الكرامة "مطلبا" بالمفهوم النقابي للكلمة، لأنه لا أحد قادر أن يمنحها لك، ولكنها "مِلْكٌ"، من فرَّط فيه، أهان نفسه، وأوردها مهالك الاستغلال، والإهانة، والعبودية. إن ثورة الكرامة إذاً هي ثورة الحكم العادل الذي يحترم حقوق الإنسان وقدرة الأفراد على تقرير مصيرهم واختيار نمط الحياة الذي يريدون.