هل رجل الدين إنسان!

Blogs- شيوخ

من أغرب ما قام به البشر من دراسات قديما ومن أعجب ما حيّرهم طويلا هو: هل المرأة إنسان! اليوم نحن نستغرب ونستهجن مثل هذه الدراسات السخيفة والتساؤلات التي لا نعلم على أي أساس قامت ولا كيف خطرت على عقولهم أصلا مع أننا ننظر من نفس الزاوية تقريبا وإن اختلف المنظور.

    
وبما أننا اليوم في عصر لا أعتقد أنه ظل من البشر من يشكّ في أن المرأة مخلوق آخر غير الإنسان، فلا بأس من أن نقلب الأدوار لبرهة ولنغيّر موضوع الدراسة لنجعل محورها رجال الدين، وأقصد رجال الدين الإسلامي من المشايخ والدعاة والأئمة وحتى طلبة العلوم الشرعية في مختلف الجامعات والمعاهد وكل من له صلة قريبة بالدين.
 
فكيف يا تُرى ننظر للمتديّن عموما ولرجل الدين خصوصا وهل نعتبره إنسانا مثلنا؟ لا بد أن نعترف أننا نرى رجل الدين كل شيء إلا أن يكون بشرا وإنسا، قد نعتبره قديسا أو ملكا مطهرا، لكنه حتما ليس من سليل بني الإنسان أو هكذا نريده أن يكون. ننزل رجل الدين منزلة القداسة فلا نريده أن يمشي في الأسواق أو يتنزه في الطرقات أو يجلس في المقاهي والأماكن العامة، أحطناه بهالة قدسية حتى أنّنا لم نعد نستسيغ منه أي تصرف وإن كان مباحا شرعا وعُرفا فقط لأنه خالف صورتنا النمطية عن رجل الدين، تلك الصورة التي تشكّلت في أذهاننا نتيجة التراكمات النفسية التي خلّفها الخطاب الوعظي الوهابي القديم، رغم أننا نفعل ما ننكره عليه أشد الإنكار بشكل يومي وعادي جدا دون الحاجة لأن يسترعي فعلنا انتباه أحد، فقط تثور موجات الاستشعار وتُستثار إن صدرت من رجل من رجال الدين.
           
إذا خرج إلى العالم تلقّفته العيون بلهفة منتظرة لحظة زلله وخطئه، وإذا تكلّم أصغت الآذان وأرهفت السمع منتظرة منه الهفوة والسّقطة ليطيروا بها في الأسواق صاخبين. أحطنا رجل الدين بأغلال ليست موجودة إلا في أذهاننا، فرجل الدين عندنا عليه ألا يضحك أو يلهو فقط عليه أن يتزمّت ويكشر في وقار مهيب كي لا يسقط من أعيننا التي لا ترى أبعد من أرنبة أنوفنا. على رجل الدين أن يترهبن ويبتعد عمّا تهواه الأنفس من ملذات مباحة، بل عليه أن ينذر نفسه للبتولية والفقر. عليه ألا يرتدي بدلة عصرية وألا يخرج من شرنقة عباءته العتيقة، عليه ألا يساير الدنيا وألا يمارس حياته الطبيعية فقط عليه أن يحيا سبهللا. 
        

متى نفهم أن لرجال الدين حياة طبيعية يمارسها كما نمارس حيواتنا وأنه يدركه ما يدركنا من ضعف ويطرأ على قلبه ما يطرأ على كل الخلق
متى نفهم أن لرجال الدين حياة طبيعية يمارسها كما نمارس حيواتنا وأنه يدركه ما يدركنا من ضعف ويطرأ على قلبه ما يطرأ على كل الخلق
 

عليه أن يكون ملتصقا بالرجعية كارها لكل جميل مستظرف فلا يقرب الطيبات ممّا أباح الله لنا وله ولا يسكن المسكن الوثير ولا يركب السيارة الفاخرة ولا يزور الشواطئ ولا يسافر للأماكن السياحية. عليه ألا يحبّ ولا يعشق، بل عليه أن يختم على قلبه بمغلاق ثم يودعنا مفتاحه، فلا ينفتح إلا أن نأذن له ولن نأذن له أبدا، أو ليس هو برجل دين! ألزمناه أن يحيا كما نريد نحن وعندما ننتهي من مراقبته وإحاطته بالأغلال ننزوي نحن لنمارس حياتنا الطبيعية، لنمارس غرائزنا التي فُطرنا عليها وإنسانيتنا بهدوء، فنحن لسنا رجال دين!

          
ما الفرق بيننا نحن العامة الذين لم تثبت علينا تهمة التدين بعد وبين رجل الدين، فإذا كان المباح مباحا لنا ومحرم على رجل الدين، وإذا كانت بعض العادات شيئا طبيعيا بالنسبة لنا وكارثة إن اقترب منها رجل الدين، وإذا كنا نحن بشرا وإنسا فمن يكون رجل الدين؟ هذا بالنسبة للمباح فماذا لو اقترف حراما وهذا وارد أو ارتكب كبيرة وهو ليس بمعصوم، سنهدّ الدنيا على رأسه والتهمة طبعا ليست جريرته وذنبه المقترف وإنما تهمته الوحيدة أنه رجل دين. طبعا نحن ضد المتاجرة بالدين وضد مياعة رجال الدين، فقط يكفينا من رجل الدين أن يكون عدلا متزيّنا بمحاسن الأخلاق وجميل العادات ملازما للتقوى مجتنبا الفحش وأسباب الفسق وخوارم المروءة ثم دونه الحياة فليحيا بكل زينتها وليتمتع بطيباتها فالتديّن هو "اعتزال الحرام لا اعتزال الحياة" كما قيل. 

    
فمتى سنزيح هذه النظرة الضيقة التي نرى منها المتدين عموما ورجل الدين خصوصا ومتى نفهم أن له حياة طبيعية يمارسها كما نمارس حيواتنا وأنه يدركه ما يدركنا من ضعف ويطرأ على قلبه ما يطرأ على كل الخلق. متى نكسر هذه الأغلال التي قيّدناه بها ونفهم أنّه إنسان مثلنا، فقط هو نذر حياته لأداء رسالة رب العالمين فإن هو أخلص واتّقى نجا وأفلح وإن هو خان أمانة رسالته خاب وخسر وحسابه على الله تعالى.