كيف جففت الحرب على الإرهاب منابع المشاريع الإسلامية بأفريقيا؟

blogs - العمل الخيري في أفريقيا
المنظمات الإسلامية في أفريقيا عانت من ضعف التمويل ومن عدم القدرة على تخطيط مشاريع طموحة تتجاوز عقلية المتبرعين، وهي تعمل في بيئات تفتقر إلى أبسط المقومات. غير أنها مع ذلك أبلت بلاء حسنا وهي تنافس منظمات غربية مدعومة رسميا وشعبيا. العمل الخيري الإسلامي أصيب في مقتل مع اندلاع الحرب على ما يُسمى "الإرهاب" واستغلال نُظُم الاستبداد السياسي لهذه الحرب لتحقيق أجندتها الخاصة وبالتالي تحجيم أي تمويل للعمل الخيري. وعلى ضوء التطورات الجارية في العالم العربي بصفة خاصة والعالم عموما أصبحت هناك ضرورة إلى إعادة تقييم العمل الخيري الإسلامي وابتكار أساليب ومقاربات جديدة كفيلة بتجاوز هذا الواقع المر.

يعود تاريخ العمل الخيري الإسلامي في أفريقيا إلى بداية الثمانينيات بقيادة كل من منظمة الدعوة الإسلامية التي مقرها السودان ولجنة مسلمي أفريقيا التي مقرها الكويت، ثم بعد ذلك ظهرت منظمات إسلامية أخرى من المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات. المنظمات القطرية والإماراتية كانت هي الممول لمنظمة الدعوة الإسلامية في أغلب برامجها المنفذة في أفريقيا، ولكن هذه المنظمات تولت تنفيذ برامجها بنفسها بعد تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كل من دار السلام ونيروبي عام 1998، وهو التاريخ الفعلي لما يسمى بالحرب على الإرهاب. غير أن أحداث الحادي عشر من (سبتمبر/أيلول) كانت قمة الحرب على الإرهاب، حيث تعرض الدعاة في كثير من بلاد أفريقيا لاعتقالات وتنكيل، وتم إغلاق بعض المنظمات الإسلامية.

أهم المشكلات التي تُعاني منها المنظمات الإسلامية في أفريقيا هي ضعف التمويل الذي ألقى بظلاله على فقر البرامج المنفذة على أرض الواقع

أغلب برامج المنظمات الإسلامية كانت تركز على مجالات بعينها، وهي: كفالة الأيتام، وحفر آبار مياه الشرب، وبناء المدارس، وكفالة الطلبة، بالإضافة إلى تنفيذ البرامج الموسمية كإفطارات شهر رمضان والأضاحي وبرامج الحج والإغاثات. وقد أحدثت هذه البرامج أثرا كبيرا في حياة الشعوب الأفريقية، لا سيما في مجال التعليم من حيث إنشاء المدارس وإدارتها وفي إرسال البعثات الطلابية إلى العالم الإسلامي.

ففي شرق أفريقيا مثلا وتنزانيا تحديدا كانت نسبة المسلمين في جامعة دار السلام في بداية الثمانينيات لا تتجاوز 5-7%، نظرا إلى أن الكنيسة هي الممسكة بزمام أمر التعليم وبالتالي فإن مدارسها المجهزة بوسائل التعليم هي التي تحظى بالاختيار للتعليم العالي، بينما تظل مدارس المسلمين على قلّتها في ذلك الوقت دون بلوغ مستوى التعليم العالي لأنها تفتقر إلى أبسط الوسائل. كان هناك خياران للمسلمين للالتحاق بمدارس الكنسية، إما اعتناق المسيحية، أو تغيير الاسم حتى لا يُوحي بأنه اسم مسلم. هذه الظاهرة تنطبق بمستويات مختلفة على أغلب بلدان شرق أفريقيا وغرب أفريقيا بمستويات مختلفة.

بفضل الله أولا وبفضل جهود المنظمات الإسلامية ثانيا تجاوزت نسبة الطلبة المسلمين في جامعة دار السلام العشرين في المئة، وكذا الحال في كثير من الجامعات الأفريقية، ناهيك عن أن هناك كليات جامعية أنشأتها المنظمات الإسلامية في معظم بلاد شرق أفريقيا وغرب أفريقيا وأسهمت بصورة كبيرة في استيعاب الطلبة من الجنسين مسلمين وغير مسلمين أيضا. هذا فضلا عن أن نسبة المتعلمين من أبناء المسلمين ارتفعت بصورة كبيرة، حيث يتبوأ العديد منهم مواقع مرموقة في بلدانهم ويسهمون بطريقة أو بأخرى في التنمية وتطوير مجتمعاتهم.

الحرب على الإرهاب جففت منابع تمويل المشاريع الخيرية الإسلامية ولم يَعدُ بوسع الأفراد التبرع للمنظمات الإسلامية خشية وصمهم بدعم الإرهاب، واضطرت بعض المنظمات الإسلامية لتغيير أسمائهاالحرب على الإرهاب جففت منابع تمويل المشاريع الخيرية الإسلامية ولم يَعدُ بوسع الأفراد التبرع للمنظمات الإسلامية خشية وصمهم بدعم الإرهاب، واضطرت بعض المنظمات الإسلامية لتغيير أسمائها
 

تمثّلت أهم المشكلات التي تُعاني منها المنظمات الإسلامية في أفريقيا في ضعف التمويل الذي ألقى بظلاله على فقر البرامج المنفذة على أرض الواقع. وعلى الرغم من أن المنظمات الإسلامية تعتمد في تمويلها على متبرعين أفراد فإن هؤلاء الأفراد كثيرا ما يفرضون المشروعات على المنظمات من منظورهم هم الذي قد لا يتوافق مع ما هو مطلوب على أرض الواقع، وبالتالي فإن أغلب المنظمات الإسلامية ليس لديها رؤى وأهداف وبرامج بقدر ما أنها تكون تحت رحمة المتبرعين الذين لا يعرفون عن الواقع إلا القليل. فعلى سبيل المثال يطلب المتبرع إنشاء مسجد بينما الواقع يتطلب إنشاء مدرسة أو مستشفى ونحو ذلك. برامج التدريب والتطوير ومهارات الحياة ليست واردة في تفكير المتبرعين وبالتالي لا مجال لها في الواقع. 

أدى هذا الوضع المالي إلى الحد من خيارات المنظمات الإسلامية حيث حصرت نفسها في البرامج التقليدية الواردة أعلاه وابتعدت تماما عن الإبداع والابتكار في مجال العمل الخيري والدعوي. غير أن ما يُسمى بالحرب على الإرهاب جاءت خصما على العمل الخيري الإسلامي في أفريقيا، وقد أسهم الإعلام المعادي للإسلام في تشويه كل ما له علاقة بالإسلام، وأصبح الإسلام متهما في ذاته حتى تثبت براءته، وأصبح الدعاة وكل مَن يحمل هم العمل الخيري الإسلامي يُلاحَقون حتى في البلاد العربية مع الأسف.

الحرب على الإرهاب جففت منابع تمويل المشاريع الخيرية الإسلامية ولم يَعدُ بوسع الأفراد التبرع للمنظمات الإسلامية خشية وصمهم بدعم الإرهاب، واضطرت بعض المنظمات الإسلامية لتغيير أسمائها حتى تبتعد عن الوصم بالإرهاب. العديد من المراكز الإسلامية في أفريقيا الممولة من المنظمات الإسلامية أصبح حالها مزريا والبعض منها قد أغلق أبوابه بالفعل وسرح الدارسين. هذا التجفيف لمنابع تمويل العمل الخيري الإسلامي أفسح المجال واسعا للمنظمات الشيعية والكنسية التي أصبحت تتوسع بصورة مستفزة في المناطق ذات الأغلبية المسلمة.

لا بد على الجمعيات الخيرية من ابتكار برامج تخاطب النُخب في شكل منتديات ومؤتمرات وبحوث مشتركة وبرامج تعالج قضايا اجتماعية ذات اهتمام مشترك

ربما نجحت الحرب على الإرهاب في إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام في العديد من المجتمعات الأفريقية ذات الأقلية المسلمة للأسباب التالية:

– أغلب المنظمات الإسلامية تنفذ برامجها في عزلة تامة عن المجتمعات غير المسلمة، مما جعلها تعيش في جزر معزولة ولا يعرف عنها المجتمع كثيرا.
– أغلب الكوادر التي تنفذ برامج العمل الخيري الإسلامي في أفريقيا هم أجانب وغريبون عن المجتمع وعاداته وتقاليده مما يشكل حاجزا بينهم وبين المجتمع.
– عدم إتقان اللغات الأوربية (الإنجليزية والفرنسية والبرتغالة) التي تعتبر لغات النخب في أفريقيا شكّل حاجزا دون المشاركة في مجالس النخب ومنتدياتهم.
– الدول الإسلامية نفسها تناغمت مع الحرب على الإرهاب دون تحفظ، مما أعطى مبررا لبعض الدول الأفريقية لاتخاذ إجراءات تحجّم نشاط العمل الخيري الإسلامي، بل واعتقال بعض الدعاة بإيعاز من الكنيسة.

على ضوء هذه التطورات لا بد من مراجعة فلسفة العمل الخيري الإسلامي بما يخرجه من دائرة العزلة إلى المشاركة المجتمعية ومن ثم ابتكار أساليب معاصرة لإيصال رسالة الإسلام إلى العالم، ولا بد من إعادة تعريف مفهوم العمل الخيري الإسلامي ومفهوم الدعوة الإسلامية ليشمل مجالات لم يكن بوسع المنظمات الإسلامية التطرق إليها، إما بسبب ضعف التمويل أو بسبب عدم وجود كادر مؤهل. تشمل هذه المجالات ما يلي:

– ابتكار منابر تجمع المسلمين بغيرهم ومن خلالها يتعرف الناس على الإسلام، ذلك لأن المنظمات الإسلامية في غالب الأحيان تعمل في معزل عن الجماعات غير المسلمة باعتبار أن برامجها موجهة للمسلمين فقط في شكل مدارس قرآنية وكفالة أيتام وبناء مساجد وغيرها.
– العمل على معالجة التحديات التي تواجه المجتمعات الأفريقية من منظور إسلامي، مثل قضايا الفقر والأمراض الاجتماعية والحسية الناجمة عن تغريب المجتمعات الأفريقية.
– إنشاء مراكز التدريب على المهارات والمهارات الحياتية وغيرها وهي المجالات التي تفتقر إليها المجتمعات المسلمة.

– ابتكار برامج تخاطب النُخب في شكل منتديات ومؤتمرات وبحوث مشتركة وبرامج تعالج قضايا اجتماعية ذات اهتمام مشترك.
– ابتكار برامج تربط النخب الأفريقية ثقافيا مع العالم العربي والإسلامي، لا سيما وأن العديد من القيادات المجتمعية في أفريقيا هم إما تخرجوا من المدارس الإسلامية أو تلقوا منحا دراسية من المنظمات الإسلامية للدراسة في الخارج، وبالتالي يكنّون بعض الولاء للعالم العربي والإسلامي وهم في انتظار من يمد لهم يد التعاون.

كل هذا وغيره يمكن أن يصبح مجالا خصبا للعمل الخيري الإسلامي وللدعوة ومكملا للبرامج التقليدية، حيث يمكن أن تشارك في تمويله الحكومات المسلمة نفسها فضلا عن المنظمات الإسلامية والمتبرعين الأفراد والمنظمات الدولية الإنسانية المتخصصة.



حول هذه القصة

U.S. Secretary of State Rex Tillerson (R) and Saudi Foreign Minister Adel Al-Jubeir face reporters before their meeting at the State Department in Washington, U.S., March 23, 2017. REUTERS/Yuri Gripas

قالت أميركا إن وزير خارجيتها تحدث مع نظيره السعودي بشأن اعتقال العشرات بالسعودية في إطار حملة على الفساد، وقد حثت الخارجية الأميركية الرياض على القيام بملاحقات قضائية “عادلة وشفافة” للمعتقلين.

Published On 10/11/2017
تصميم للصحف الفرنسية

حفلت الصحف الفرنسية الصادرة اليوم الجمعة بتحليلات وتقارير حول الشرق الأوسط، فتحدثت عن الوهابية وخبايا التطهير بالسعودية وكشفت ما وراء أكمة اللوفر أبو ظبي ومعاناة البحرينيين وذبح اليمنيين.

Published On 10/11/2017
تحذير أممي من مجاعة باليمن بسبب حصار التحالف

دعت الخارجية الأميركية إلى فتح الموانئ اليمنية أمام دخول المساعدات الغذائية من دون أي عائق، بينما دانت الأمم المتحدة الحصار الذي يفرضه التحالف العربي بقيادة السعودية على كل المعابر اليمنية.

Published On 10/11/2017
epa05803328 Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu, attends a weekly cabinet meeting in Jerusalem, 19 February 2017. Benjamin Netanyahu heads to Australia on 22 February 2017, the first visit by a serving Israeli Prime Minister where he will have a series of talks with Australian Prime Minister Malcolm Turnbull. EPA/DAN BALILTY / POOL Poo

خضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مساء الخميس لتحقيق استمر أربع ساعات حول ضلوعه بقضيتي فساد تتعلق إحداهما بقبول هبات من أثرياء، والثانية بالسعي للحصول على تغطية إيجابية بصحيفة محلية.

Published On 10/11/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة