شيخ العمود.. نحو تأسيس حوزة سنية

  

تشهد الساحة العلمية المصرية اليوم حراكاً ثرياً في الدرس الحوزوي الفقهي والديني، وتأسست عدّة مدارس دينية مهمّة في القاهرة، من أهمها بعد أروقة الجامع الأزهر ومضيفة الشيخ مصطفى العدوي مدرسة شيخ العمود وأخواتها كمدرسة وحي، ومدرسة الإمام الطبري وغيرهما.

             

وتُعدّ هذه المدارس مُكمّلة للجامع الأزهر والجامعة الأزهرية، فتعتني بشرح الفقه والأصول والمنطق وعلم الكلام بالطريقة التقليدية، من متونٍ وحواشٍ وغيرها. وتفتح أبوابها لكلّ طلاب العلم على اختلاف أعمارهم وتخصصاتهم، فهي أشبه من هذا الجانب بالحوزة الشيعية التي لا تضع ضوابط للراغبين في الدراسة فيها، بيد أنهما يفترقان في أنّ الحوزة الشيعية -وكذلك الجامع الأزهر- لا تضع امتحانات أو ضوابط لاجتياز مرحلة تمهيدية لأخرى أعلى منها، بخلاف شيخ العمود وأخواتها حيث تضع تلك المدارس امتحانات لاجتياز المراحل، ولا تترك الأمر للتقدير الشخصي للطالب بأن يقفز من مرحلة إلى أخرى دون الرسوخ والتمكن في التي قبلها، علاوة على أنّ الحوزة الشيعية تُنفق على الطلاب في حين أن تلك المدارس تفرض رسوما على الراغبين في التسجيل للدراسة، وذلك راجع إلى طبيعة كلّ منهما.  

               

استراتيجية الحوزة السنية

إن تأسيس أو إحياء مدارس سنية على غرار الحوزة الشيعية في دولة مثل مصر حيث عدد السكان الضخم والتيارات الفكرية الجارفة، أمر ضروري للدولة والمجتمع بل وللمؤسسة الدينية الرسمية. فنشأة تلك المدارس بعد 2010م تقريباً واستمرارها حتى اليوم بل ونموها وانتشارها واستقطابها لعدد كبير من المهتمين، استفزّ المدرسة الأزهرية فاهتمت مرة أخرى بالأروقة الأزهرية واستقطبت العلماء ليُدرّسوا في أروقة الجامع الأزهر، كلّ في ميدانه ومجاله.

       

على غرار المدارس النظامية

بعدما تولى السلطان ألب أرسلان عرش السلاجقة عام 455ه/ 1063م، نصّب الحسن بن عليّ الطوسيّ الملقب بنظام الملك وزيراً له، وكان هذا العصر هو عصر الشيعة بلا منازع. ففكر الوزير السنّي المتحمس لكبح جماح هذا التمدد بعد الانتصار العسكري على الأرض، وأدرك أن الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذ لابد من وجود حواضن شعبية، فعمل على تأسيس مدارس النظامية لنشر المذهب السنّي لمواجهة الفكر الشيعي والمعتزلي. فبنى مدارس في بغداد وبلخ ونيسابور وغيرها، كما يقول السبكيّ في طبقات الشافعية.

           

تعتمد مدرسة شيخ العمود على التمذهب الحميد وهو دراسة المذاهب الإسلامية والفقهية باعتبارها تعبيرا عن إبداع العقلية المسلمة اجتهاداً واستنباطاً وصناعة فقهية
     

فبدأ نظام الملك معركته بتأسيس المدارس المكوّنة للعقلية المسلمة، التي تنطلق من أُسس وأُصول علمية، بحيث لا تقوم على الحماسة الفارغة، أو الشعارات الجوفاء، لأن حسن النية وحده لا يكفي، ودماثة الأخلاق من غير مرجعية فقهية وعلمية وإن أثمرت مع الأشخاص إلا أنها لا تقيم دولا ولا تؤسس لكيانات عريقة، فلابد من مرجعية علمية ومنهجية، فقهية وفلسفية تُتخذ مساراً وعلى جانبيه يُمارس الاجتهاد. ونلاحظ أن نظام الملك اختار المدرسين بعناية، واختار مواقع المدارس بعناية أكثر، وكان لكلّ طالبٍ غرفة خاصة به ونفقة شهرية، فراج سوق العلم حتى بلغ طلاب الغزاليّ وحده في نظامية بغداد سنة 488 ه ثلاثمئة طالب، وبلغ طلابها في بعض الأوقات ستة آلاف طالب.

            

هذه النهضة العلمية أُسست عبر أجيال مع الديمومة والاستمرار فنشأت حضارة راسخة، ترتكز على العلوم والمعارف لا على الخرافات الدينية، والمشاعر الجياشة. ومن هنا فإنّ الأروقة الأزهرية والمَضْيفة ومدرسة شيخ العمود وأخواتها تُعتبر بذرة مهمّة لتأسيس حوزة سنية، أو إحياء الحوزة السنية بصورتها الكلاسيكية القديمة على الأصحّ. وهي مدارس تعود بجذورها سندًا ومنهجاً إلى مدارس الأمّة العريقة، وإن شابها بعض الشيء فلا يخلو شيء من هذا الشيء، ولكن لا شكّ هناك مخاطر وتحديات لابد من وضعها في الاعتبار، حيث إنّ هذه التحديات شبه أمراض تعتري كلّ المدارس الدينية ما لم يُتعلم من التجارب التاريخية.

  

التحديات

1- تقليد العوام: بمعنى أن تقع المؤسسة الدينية غير الرسمية التي تَتخذ مسارات استقلالية عن السلطة إلى تقليد العوام والسير في فلكهم كما حدث مع الحوزة الشيعية عندما ابتعدت عن ركب الحكومات، صارت أسيرة للعوام والمقلدين ممن يمولون أنشطتها كما رصد الفيلسوف الإيراني مرتضى مطهري وغيره، وهذا داء قديم في كثير من المدارس العلمية. فربما مال البعضُ إلى تكثير الطلاب على حساب الحقيقة العلمية، ومهادنة العوام أشدّ من مهادنة السلطان كما يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي.

 

2- تحديد المهمّة: ينبغي تحديد الحوزة السنية لأهدافها وأولوياتها، وفق استراتيجيات بعيدة المدى، حتى لا تحيد عن الأهداف الاستراتيجية مقابل جزئيات وفروع ومتاهات.

      

3- الشخصانية: ويقصد بها هنا تحول المنافسة بين المشايخ إلى صراع، على المكانة والنفوذ وما أشبه، وهو ما دمر مدارس علمية عريقة من قبل، وهو ما حصل للأسف في بعض المدارس الأزهرية المعاصرة، وتكون في الأغلب معارك شخصية على مناصب أو نفوذ ويُحشر فيها طلبة العلم والمنهج كغطاء لحقيقة المعركة بين رؤوس المدارس.

      

لا تقع تلك المدارس في إشكاليات فقهية ومنهجية، تؤدي ببعض طلابها للتفلت من المنهج. كالتشدد المذهبي الضيق الذي وصل في بعض المراحل لتحريم الصلاة وراء المخالف
      

4- الصراع العقدي والتكفير: من معالم شيخ العمود وأخواتها أنها مدارس عابرة للأيدولوجيات وفوق الانتماءات الحزبية الضيقة، وأن مهمتها أكبر من ذلك بكثير. ولكن ثقافة التشدد المطلق للمنهج الأشعري قبالة المنهج السلفي يحوّل الأشعرية إلى سلفية ويصبغها بنفس المآخذ التي أخذتها على الحركة السلفية، وهي بذرة موجودة عند بعض من يتصدرون في تلك المدارس. والردّ والتفنيد المصاحب باللغة الإقصائية والتهكم والسخرية إما أنه سيجعل الآخر يرد بذات الطريقة، وإما أنه انحدار إلى مستوى الآخر المتهم بهذه الطريقة، وفي كلتا الحالتين هو انتباذ للأخلاق من الحقل المعارفي. 

      

وقد نشب صراع تاريخي مشهور بين الحنابلة والأشاعرة سنة 469 هـ، وسنة 475 ه، ووصل الصراع ذروته عندما دخل أبو القاسم البكري المغربي أحد أكبر مشايخ الأشاعرة في عصره مسجد الحنابلة في بغداد ورماهم بالكفر. وكانت الفتن تتجدد كل برهة بينهما كما تنقل كتب التراجم. والتاريخ يجب أن يكون مدرسة للعقلاء، فالمذاهب الفكرية هي جزء من الطبائع النفسانية والإمكانات العقلية أولا وآخرا، ويجب فهم تاريخ الأفكار، وخارطة العقول، من مشايخ وعلماء الحوزة، حتى يُنشئوا فلاسفة ومبدعين، لا صبية مراهقين ومتحجرين. وسنفردُ مقالا عن السلفية الأشعرية قريباً.

        

5- التمذهب البغيض: هناك تمذهب حميد، وتمذهب بغيض، فالتمذهب الحميد هو دراسة المذاهب الإسلامية والفقهية باعتبارها تعبيرا عن إبداع العقلية المسلمة اجتهاداً واستنباطاً وصناعة فقهية، أي إدراك المناهج التي حرّكت الفقيه والأصولي والمتكلم. وليس الوقوف على الفروع وفروع الفروع والجزئيات وجزئيات الجزئيات التي هي في جلها مسائل افتراضية، ومرتكزة على العوائد والأعراف التي تتغير بتغير المكان والزمان لا مبنية على القطعيات والثوابت.

      

فحفظ التراث الفقهي ككُلّ بوصفه تاريخاً للأمّة، ولعقلها الفقهي والجمعي، ثمّ تقسيم هذا التراث في الذهن إلى مسائل هي أقرب لتاريخ العلم وتطوره ونضوجه ومسائل هي المنهج والأساس الذي انبنى عليها العلم، أمر في غاية الأهمية كي لا تقع تلك المدارس في إشكاليات فقهية ومنهجية، تؤدي ببعض طلابها للتفلت من المنهج. كالتشدد المذهبي الضيق الذي وصل في بعض المراحل لتحريم الصلاة وراء المخالف. وعلى حد قول الدكتورة هبة رؤوف: "ينبغي على مؤسسات الإفتاء أن تعلم الناس مع الأيام كيف يتعاملون مع النص، فتقل أسئلتهم وتتطور عبر السؤالِ والإجابةِ معارفُهم".



حول هذه القصة

اعترض حرس السواحل الليبية مركبين كانا يقلان 299 مهاجرا غير نظامي من أفريقيا، واقتيد المهاجرون إلى العاصمة طرابلس حيث أودعوا مركز احتجاز في ضواحيها بعد تسجيل أسمائهم وجنسياتهم.

1/11/2017

استقبل رئيس جمهورية جنوب أفريقيا جاكوب زوما في العاصمة بريتوريا الثلاثاء وزير الدولة لشؤون الدفاع القطري خالد العطية، وبحث معه عددا من القضايا من بينها الأوضاع الراهنة في منطقة الخليج.

1/11/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة