رفع العقوبات.. من إخضاع الخرطوم إلى استرضائها

blogs عمر البشير

لم تكن قرارات واشنطن برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان لأكثر من عقدين مفاجئة بالنسبة للمراقبين، إذ كانت هناك مؤشرات قوية ترجح هذا الاتجاه من منطلق وتيرة الانخراط المتبادل بين البلدين مؤخرا. مؤخرا، انتقلت علاقات البلدين من مربع العقوبات والعزلة والمقاطعة الى الحوار الثنائي، على أساس أجندة متفق عليها بين الجانبين ووفق جداول زمنية معروفة، مع ذلك لم تبارح مربع المماطلة والتسويف.

في هذا الإطار، جاء قرار الإدارة الأمريكية في السادس من تشرين الأول/أكتوبر الجاري برفع العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان، قبل الموعد الذي حددته في تموز/ يوليو الماضي إدارة ترمب- وهو الثاني عشر من الشهر الجاري- للبت في تلك العقوبات، بعد انقضاء مهلة الـ 6 أشهر التي منحت للسودان الإدارة السابقة في كانون الثاني/ يناير الماضي. ويعود تاريخ العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان إلى العام 1997، بينما إدراجه على قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ العام 1993، كما أصدر الكونغرس الأمريكي عدة تشريعات في هذا الاتجاه.

ومن المفارقات أنه في 19تموز/يوليو الماضي، أصدرت الخارجية الأمريكية تقريرها السنوي عن الإرهاب، أقرت فيه بتعاون السودان الوثيق مع واشنطن في هذا الموضوع، ومع ذلك جرى الآن الإبقاء على اسم السودان في قائمة واشنطن للدول الراعية للإرهاب!

جاء قرار إدارة ترمب الأخير كمحاولة للرضوخ للضغوط المهولة التي ظلت تمارسها لوبيات نافذة على دوائر صنع القرار بواشنطن للحؤول دون رفع العقوبات، حيث تطمح باستبدال العقوبات بأخرى
جاء قرار إدارة ترمب الأخير كمحاولة للرضوخ للضغوط المهولة التي ظلت تمارسها لوبيات نافذة على دوائر صنع القرار بواشنطن للحؤول دون رفع العقوبات، حيث تطمح باستبدال العقوبات بأخرى "ذكية" تكون أكثر صرامة
 

وقال القائم بالأعمال الأمريكي بالخرطوم، ستيفن كوستيسن فى مؤتمر صحفي عقده في اليوم التالي لقرار بلاده إلغاء العقوبات على السودان، أن الظروف غير مواتية حاليا لشطب اسم السودان من هذه القائمة، وأوضح أن "مناقشة الحذف من قائمة الدول الراعية للإرهاب لم يكن جزءا من خطة المسارات الخمس التي انخرطنا فيها".

وكانت الخرطوم وواشنطن قد انخرطتا في حوار مشترك تم بموجبه الإعلان عن خمسة مسارات خضعت فيها سلوك الخرطوم للمراقبة والتقييم من جانب واشنطن، وهي: الالتزام بوقف العدائيات في مناطق النزاعات، وتحسين انسياب المساعدات للمتضررين إلى جميع المناطق، التعاون مع واشنطن في مكافحة الإرهاب، والامتناع عن دعم جيش الرب للمقاومة، ودعم جهود السلام في جنوب السودان. 

وقال بيان للخارجية الامريكية، أن "إلغاء العقوبات الاقتصادية فيما يتعلق بالسودان وحكومته بموجب الأمريْن التنفيذييْن 13067 و13412 اعترافا بالإجراءات الإيجابية التي اتخذتها حكومة السودان للحفاظ على وقف الأعمال العدائية في مناطق النزاع في السودان، وتحسين المساعدات الإنسانية والوصول إلى جميع مناطق السودان، والحفاظ على التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية في معالجة الصراعات الإقليمية ومهددات الإرهاب".

يمكن القول أن هذا القرار يندرج في إطار ديبلوماسية المماطلة والتسويف، تماما كما حدث في المرة الفائتة، عندما حان موعد الذى ضربته إدارة أوباما لرفع العقوبات عن السودان، خفّفت من تلك العقوبات فقط بدل إلغاءها، وهو ما أحبط الجانب السوداني.

قد تنجح الديبلوماسية السودانية في إلغاء العقوبات والقرارات التي تفرض حصارا اقتصاديا على البلاد، ولكن تظل العقبة تلك العقوبات المفروضة في تشريعات صادرة عن الكونغرس

إن قرار إدارة ترمب الأخير، يسير على نهج واشنطن بدغدغة مشاعر المسئولين السودانيين بإمكانية رفع العقوبات المفروضة على بلادهم بشكل تدريجي، دون الإقرار صراحة بأن الشق المتعلق بالعقوبات التي شرّعها الكونغرس الأمريكي مثلا- وهى الأهم- ستظل نافذة، هذا إن يتم التراجع عن كافة خطوات الرفع الجزئية في حال حدوث تغيرات ما في داخل واشنطن.

ومن جانب آخر، جاء قرار إدارة ترمب الأخير كمحاولة الرضوخ للضغوط المهولة التي ظلت تمارسها لوبيات نافذة على دوائر صنع القرار في واشنطن للحؤول دون رفع العقوبات، حيث تطمح هذه اللوبيات ليس للإبقاء على العقوبات فحسب، وإنماء استبدالها بعقوبات "ذكية" تكون أكثر صرامة!

على ما يبدو، هناك اتفاق داخل واشنطن بأن العقوبات الأمريكية على السودان عديمة الجدوى والتأثير، وتنطوي على تأثيرات إنسانية عميقة، فهي لم تحقق تغييرا يذكر لا في سلوك الحكومة السودانية أو سياساتها بالمرة، وأنها طالت الأبرياء في واقع الأمر.

قد تنجح الديبلوماسية السودانية في إلغاء العقوبات والقرارات التي تفرض حصارا اقتصاديا على البلاد، ولكن تظل العقبة تلك العقوبات المفروضة في تشريعات صادرة عن الكونغرس. كما لا يجب إغفال احتمالات تحركات مضادة داخل الكونغرس ليس للإبقاء على كل قراراته السابقة، وإنما احتمال إلغاء قرارات إدارة ترمب هذه، على غرار ما حدث مع قانون "جاستا" ضد السعودية في ولاية الرئيس السابق باراك أوباما، وربما فرض عقوبات جديدة على السودان.

من المثير للدهشة والاستغراب الإبقاء على اسم السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب، في الوقت الذي يعرف كثيرون بأن إلغاء العقوبات هو نتاج للتعاون بين الخرطوم الوثيق مع المؤسسات الأمريكية. إن ما يقلل من فرص حدوث تغييرات إيجابية أن المشكلات الوطنية التي تتصل بتراكمات داخلية أعمق بكثير من مسألة العقوبات. على المدى القصير سيظل أثر رفع العقوبات محدودا جد، خاصة فيما يتصل بتوقعات حجم التعاون والتبادل مع واشنطن، لجهة أن الشركات الأمريكية هي التي تحدد قراراتها، وربما المجالات الاستثمارية المتاحة لا تدخل في نطاق اهتماماتها، كما أن توقع تدفقات تحويلات السودانيين ليس دقيقا هو الآخر، لأن هؤلاء طوروا طرائق في تحويلات مدخراتهم إلى البلاد آخرها النظام المصرفي الرسمي! بيد أن الأهم أن الفرص الآن متاحة للسودان للتعاون والتبادل التجاري مع كافة دول العالم دون مواجهة تعقيدات كتلك التي كانت تسببها العقوبات الأمريكية.

إن "سخاء" إدارة ترمب مع الخرطوم قد يصعب تفسيره في ظل الاضطراب والخلافات داخل هذه الإدارة ودوائر صناعة القرار بواشنطن، وقد السودان من الحالات النادرة لتطابق وجهات النظر حولها بين الخارجية والدفاع ومجتمع الاستخبارات في أمريكا ترمب.

تهدف واشنطن من قرارها إلغاء العقوبات الاقتصادية مع إبقاء السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، لضمان خضوع الخرطوم لابتزاز وإملاءات واشنطن في ما يسمى بالإرهاب
تهدف واشنطن من قرارها إلغاء العقوبات الاقتصادية مع إبقاء السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، لضمان خضوع الخرطوم لابتزاز وإملاءات واشنطن في ما يسمى بالإرهاب

على ما يبدو، فإن استراتيجية واشنطن تجاه السودان تقوم على الآتي:
أولا: الانتقال من مربع العقوبات إلى مربع الحوافز لضمان تعاون السودان في القضايا التي تخدم المصالح الأمريكية العليا لاسيما مع ضعف تأثير العقوبات على توجهات الحكومة.

ثانيا: الالتزام بالتخفيف التدريجي للعقوبات على السودان دون إعطاء الحكومة السودانية أي نصر سياسي أو ديبلوماسي قد يثير حفيظة اللوبيات لاسيما داخل الكونغرس.

ثالثا: الانتقال من نمط العقوبات التقليدية القائم على الحصار والمقاطعة الاقتصاديين والعزلة الديبلوماسية، والتي أضعفت من نفوذ واشنطن تجاه الخرطوم بشكل كبير، وبالتالي إتاحة الفرصة لصناع القرار في واشنطن مستقبلا لتبنى نظام جديد للعقوبات قد يكون أكثر فاعلية وتأثيرا وهو ما تطالبه به بعض مجوعات الضغط والناشطين المعادين للحكومة السودانية.

رابعا: بجانب سعى إدارة ترمب لاسترضاء السودان وإظهار الالتزام بالقضايا المشتركة التي قام عليها الحوار بين البلدين، تسعى واشنطن كذلك لإرضاء حلفاءها في الخليج العربي الذين مارسوا "نفوذهم" من أجل رفع العقوبات على السودان.

أخيرا، تهدف واشنطن من قرارها إلغاء العقوبات الاقتصادية مع إبقاء السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، لضمان خضوع الخرطوم لابتزاز وإملاءات واشنطن في ما يسمى بالإرهاب، لاسيما واشنطن لن تجرؤ على التدخل المباشر مرة أخرى بعد فشل مغامراتها في العراق وأفغانستان، فضلا عن انتشار تهديد تنظيم الدولة الذى يجرى حديث بأنه سيجد في أفريقيا ملاذات أمنه له، بعد خسارته مناطق سيطرته في العراق وسوريا، ويعزز هذه الفرضيات موقع السودان الجيواستراتيجى حيث يتمدد تواصله إلى القرن الأفريقي وبحيرة تشاد والصحراء الكبرى ومنطقة الساحل، وجميها مناطق تشهد تهديدات أمنية كبيرة.