هكذا هي الحياة

Blogs-street

وما هي بداية حياتنا إلاّ مثل أوراق الشجر اليانعة التي توفرت فيها شروط اللّمعان والحياة حيث سُقيت مؤخراً بالماء النظيف النقّي، وتسلّلَت سِهام الضوء برفق وحُنوْ في ثناياها، وكذا مرّت عليها نسائم الهواء اللطيفة التي تحركها لِتَبُث فيها أسمى الغايات وأنبلها صانعةً على مُحيّاها جمالٌ لا يضاهيه جمال.

       

بدايةُ حياتنا زاهرة مثل تلك الأوراق التي ترقصُ يميناً وشمالاً، تلك المُتمايلة على أَنغام الحب، التي تُلَوّح بالأمل والتفاؤل وشعارها دائماً وأبداً سعادةٌ وهناء لا شقاء بعده. في مُقتبل العُمر نشعر أننا وصلنا القمة في كل شيء، تحلّق أرواحنا صعوداً إلى نجوم السماء، ونشعر أن الكون بأسره يبتسم لنا إيذاناً بمستقبل مشرق مزينٌ بالبهاء ومُفعمٌ بالحيوية. ننطلق في الحياة بلا هموم ولا مُنغصات. ننطلق بلا تفكير في النتائج أو العواقب. كل شيء يسير بعفوية وهدوء من تِلقاء نفسه بلا ضجر ولا صخب.

        

تدريجياً يبهت البريق المُلْفت للأنظار بفعل رياح قوية مُحمّلة بالغبار والأتربة. قوتها تحيطنا وتُبقينا رِهاناً لها كأنها نذير خطر دُقّت أجراسه. لكن التماسك والثبات هو سيّد الموقف، حيث سرعان ما ستزول الأسباب وتختفي الرياح ويعود كُل شيء على سابق أمره. تجيء وتذهب هذه الرياح، في بعض الأحيان تهُزّنا بلا هوادة وتكاد تُجهز علينا، وفي أحيان أخرى نَفلت منها بسلام وأمان ونطلق ورائها زفيراً طويلاً فرحاً بالنجاة. يبدو أن الأحلام الوردية خَفَتَ نُورها قليلاً، وبدأ العقل يفكّر قبل الإقدام على أيّ شيء، والأخذ بالاحتياطات أمْرٌ مُسَلّمٌ به كي لا نقع فريسةً مرة أخرى في شِبَاكٍ مُعقّدة تَخلُط كل شيء حيث بالكاد التمييز. هي رياحٌ عابرة وما الضّير منها؟ لا شيء سوى قليل من الحزن الذي سيزول عند بزوغ شمس دافئة مثل تلك التي تأتي في الشتاء، حيث يَتَلقّفها الخَلْق بِكُل شَغف. هذه هي العبارة التي نواسي بها أنفُسنا لمواصلة الطريق، كي نُرجِع البهجة والسرور.

           

نحن البشر البعض منا قوي ومتماسك لا يغرس في فكره إلا الأشياء الإيجابية. يتعامل مع السلبيات على أنها أشياء جانبية وعابرة ستزول في نهاية المطاف
نحن البشر البعض منا قوي ومتماسك لا يغرس في فكره إلا الأشياء الإيجابية. يتعامل مع السلبيات على أنها أشياء جانبية وعابرة ستزول في نهاية المطاف
              

كل شيء يسير على ما يرام حتى قدوم أمطار غزيرة مصاحبة معها برق ورعد وفوضى وضوضاء تُخل في النظام وتقلب الموازين وتدمر كل شيء يعترض طريقها حتى يصبح الخوف على الحياة أمْرٌ لا مفرّ منه. البعض يلوذ بالفرار في أماكن مُحصّنة فينجو بنفسه لأنه لم يقف يتأمل المشهد مستسلماً، والبعض استدرك نفسه بعد وقت طويل من تزاحم الأفكار واتخذ القرار المناسب بالهروب، لكنه أُصيب بجروح سهلٌ هو التداوي منها، أما آخرون فقد ارتطمت بهم الأمطار كأنها حجارة قاسية تاركة ورائها كدمات وجروح خطيرة لا تتم المعافاة منها إلاّ على المدى البعيد وقد تُهلك حياتهم بعد فترة إذا لم يتم اتخاذ العلاج المناسب. يجب في هذه الظروف تحكيم العقل جنباً إلى جنب مع القلب حيث أنهما الملاذ الوحيد للشفاء. فلا يجب أن يُترك القلب لفيضانٍ كهذا وزخمٍ في الأحداث، بل يجب أن يسانده العقل لاتخاذ قراراتٍ صارمة لا تهز كياننا وتبقينا في حالة تصالح وسلام مع ذواتنا. 

           

في بعض الأحيان، على حين غَرّة تلفحنا شمسٌ شديدة وحارقة تُجهز على من يَصِلْها لهيبها، على وجه الخصوص تلك الفئة التي تراكمت على كاهلها المتاعب والشدائد دون مداواة. يكون الشخص في ذروة ضعفه ولا يقوى على المُجابهة والقتال فيستسلم ويُقضى عليه. السبب وراء هذا هو التفكير في كلّ صغيرة وكبيرة وكّل شاردة وواردة. والتعامل مع المشكلات الصغيرة كأنها مصيبة حَلّت، حتى قدوم مشكلة لم تكُن بالحُسبان أكبر من كل التوقعات والتصورات فتهوي به دون أن يسمع به أحد. 

         

نحن البشر نعيش حياتنا هكذا تماماً. البعض منا قوي ومتماسك لا يغرس في فكره إلا الأشياء الإيجابية، يتعامل مع السلبيات على أنها أشياء جانبية وعابرة ستزول في نهاية المطاف، أو سيعتبرها أساساً في جمال الحياة حيث لا تستقيم الحياة بدون السكر والملح. خلاصة الأمر هو أنه سيجعل منها شيئاً مفيداً كي لا تؤثر عليه. هذا الصنف من الناس تبقى روحه شابّة تُرسل جمالها لكل من قابلها وتُحظى بقبولٍ من الجميع. أما البعض الآخر سيتعامل مع المشاكل بسلبية حيث سيُعزي أسباب المتاعب إلى الآخرين ويلعن حَظه ألف مرة وسَيبقى بَرِماً في الحياة حتى في لحظات الفرح لن تجده سعيداً لأنه اتخذ الحزن لِباساً له. يبقى هذا الصنف في خصام دائم مع نفسه وكذلك مع الآخرين. هذا النوع لماماً ما يفرح لذلك تشعر أن هنالك ُنفورٌ منه. نحن لا ندري ما تخبئه الأقدار لنا، لذلك يجب أن تغتنم كل لحظات الفرح ونعززها حتى تكون دعامة لنا في العسرة.