خير متاع الدنيا حب صالح

مدونات - حب love story

إن كُل أسرار الحُبّ تكمن في الرّوح. الروح وحده طاقة القلب، وعجلة دفع جاذبيّة الجسد عن الأرض ليعيش بين الطيور، ففيه سرُّ الدُنيا حين تّتلوّى فيه عُقد الأيام التي بلّدها أحزانهُ إذ كتبها قدرُ الله، وكذلك أحزانُنا التي صنعناها بحرفيّة، فيتقمّصُ دور الطير الجارح الذي يقتنصُ الحُزن المُتدحرج من رأس جبل الهم الذي نحملُه فوق رؤوسنا ونُكابر.

 

في الرّوح خُروج من منطق الطّين، إلى سكنات اللّه، وقبسٌ من نوره؛ إذ أنّه مصدر الخير فينا، وما عداهُ فقد نبت في طين البشريّة واستوى في نار إبليس. إنّني في اللّحظة التّي أملك فيها رُوحي أشعُر بالحُبّ، أعيشُ شغف الجمال، وأستلذُ بالذوبان كقطعة سُكر، دون أن أنكر أنّ في جبلّة الروح ثقباً تتسلل فيه شهواتُ الدنيا مع من نُحب. وتبقى الروح ذكراً يغفرُ الزّلات، وطوق النجاة من الغرق. 
لذا ففي هذه اللّحظة التّي تدنو فيها الطائرة من الأرض أرى الروح يرتفع بأصحابه، والغيمُ يحملُ الصدق الذي أنتجهُ. وتتحولق حوله الطُيور كشيخ سلب عقل مُريديه بالجمال والهيبة، وألمحُ في السماء فوق القمر شيئاً أشبه بالعرش، يجمعُ الله كل اسمين بينهما قلبٌ بدأ بالحُبّ على أساس الروح لا الجسد. وهناك رأيت اسمينا بين الصبار والنرجس!

  

هل خُلقت الوردة بكُل هذا الجمال كي تحبس عبيرها في جوفها، وتموت اختناقاً؟ وهل خُلقت غياهبُ القلب وعُمقه لنترك خوض غماره ونبقى سالمين على شاطئه! كيف لنا أن نرضى الظُلمة وفي آخر الطريق شُعلة النّور تقول "هيت لك" لتهب للعالم البصيرة! ليتنّا نسمع في أنين المرض موسيقى العافية وكلمات الحمد والشُكر، ونجمع الأمل الذي أظهر أسنان أمّ الشهيد بابتسامة وزغرودة. الحُبّ رزقُ الله في أرضه يهبه لمن يشاء، ويحرمه ممّن يشاء؛ فترى للحُبّ ألف ألف لون، يرميه المحرومُ بالجُنون واللاعقل، ومع بعض آيات الله التّي تُعرضُ دون فهم يصيرُ جريمةً كالرّدّة! وعلى النّقيض الآخر يستخدمهُ بعضُ السحرة كورقة حظ، ويرميه بعضُ الذئاب كطُعم للفريسة!

 

أعلمُ أن موازين الحُبّ تختلف ولكُلٍ ميزانهُ ودفتهُ وشراعهُ وبحرهُ، ولكُل حُبٍّ ساريتهُ وعاصفتهُ وبوصلتهُ
أعلمُ أن موازين الحُبّ تختلف ولكُلٍ ميزانهُ ودفتهُ وشراعهُ وبحرهُ، ولكُل حُبٍّ ساريتهُ وعاصفتهُ وبوصلتهُ
 

الحُبّ السليم فعلٌ لا إراديّ يُقرره القلب، فلا يُحاسب الشرع عليه، ولا على لوعة نفسه وبُكائه، فتلك لواعج النفس لا يُعاندها الشرع، ولكن ينظُر إلى ما سيّرك كان خيراً أم إثماً. أما أنا فأعرّفُ الحُبّ على أنّه نورُ الله، وبسمةُ البراءة، وقلبُ الأم، وصفاء القلب، وصدق المُحيّا، ووُد صيّر الصداقة إخاءً. عُنوانُ جماله شفاعة المُصطفى صلى الله عليه وسلّم بين حبيبين ذبُلت أركانُ أحدهما في حُبّ من يهيمُ به، وفي متن الحُبّ كُلّه مملكة مُحمّد وحبيبته عائشة. كيف لقلب النبيّ أن يجمع رسالة الله ورسالة الحُبّ! أُفكّر حقاً في قلب النّبيّ المُحب حين سُئل عن أحب الخلق إليه فأجاب دفعة واحدة وكسيل رفيق مُترع الضفة: عائشة. ويكأنّهُ يُخاطبها بها: عائش. 

 
وأرى الحُبّ يتجسدُ في بُكاء العاص بن الربيع على موت زينب رضي الله عنها، فيقول لرسول الله: "والله ما عُدتُ أطيقُ الحياة بعد زينب" ثم مات بعد موتها بسنة. هو قولُ جعفر بن أبي طالب لزوجته أسماء بنت عميس كُلمّا رأها "يا حبّة القلب"، وكانت هي تتحرى موضع قدمه لتضع قدمها مكانه، وكيف لا! والقلبُ يتبعُ القلب. هو قولُ الرافعيّ رحمه الله "لا يصحُ الحُبّ بين اثنين إلا إذا أمكن أن يقول أحدُهما للآخر: يا أنا". الحُبّ حين قال أبو السائب المخزوميّ -الذي يصفهُ ابن القيّم بأنهُ من أهل العلم والدين- مُتعلقاً بأستار الكعبة: "اللهم ارحم العاشقين وقُلوبهم، واعطف عليهم قُلوب المعشوقين".

 

أعلمُ أن موازين الحُبّ تختلف ولكُلٍ ميزانهُ ودفتهُ وشراعهُ وبحرهُ، ولكُل حُبٍّ ساريتهُ وعاصفتهُ وبوصلتهُ. لكن والله ما كان الحُبّ بكثرةٍ الوصل ولا بجميل الكلمات خلسةً، وإنما الحُبّ ما وقر في القلب وأبى الخُروج إلا في كنف الله. يكفيني من عالم الحُبّ هذا أن أنثُر شباك الحرف من على شاطئه، ألحظُ ابتسامة من خاضوا بحره. أتعلمُ على حُدوده السباحة لأكون قبطانهُ يوماً ما..