آل شومان.. بيئة للمعرفة تضمن التنوع

مدونات - مكتبة كتب قراءة
بجانب كتبٍ متراصة في ذاك الرف المجاور لرفوف أخرى مكدسة بالمثل، تجلس تلك الشابة مسبلة بشعرها المفرود تكوم أقلاماً حولها بألوان مختلفة، وحولها كتابٌ فيه صفحة لعضوٍ إنسانيٍ تراجع دراسة طبها البشري، وتطرق بأصابعها أزرار لوحات المفاتيح بحثاً عما تصبو إليه عبر الشبكة العنكبوتية .

في الجانب الآخر ألتفت وإذ بي أرى فتيات مدارس الكلية العلمية الإسلامية يدخلن الباب مسرعات بعد نهاية مشوارهن الدراسي في صفوفهن، وألبستهن الموحدة الخمرية ملفتة للانتباه، وتزداد الملاحظة في رؤية إحداهن تقرأ (تاجر البندقية) لشكسبير بالإنجليزية، ورفيقاتها يترامين حولها في اقتناء كتبٍ من هنا وهناك مما يرغبن، فيمسكن ويبدأن القراءة في صورة متعةٍ لا نظير لها .

الشومانيون هنا على نبضٍ متواصل في قلبٍ واحد، كل الأيديلوجيات بتنوعها ماركسية، شيوعية، علمانية، ليبرالية، إسلامية واحدة

هنا في هذا المكان تتعدد أوجه المتواجدين بألوانهم، وأشكالهم، ومعتقداتهم، فعلى ذلك الكرسي تجلس مخمرة بنقابها على وجهها وجلبابها الكامل للجسد تضع سماعة الأذن منصتةً لكتبٍ مسموعة، وعلى مقاعد الكرات البلاستيكية تتمدد فتاتٌ بسروال جينزٍ ضيق تطير بعيداً سارحةً، وهي تقرأ إحدى روايات إبراهيم نصر الله (طفل الممحاة)، وأخرى لرضوى عاشور (ثلاثية غرناطة) بقميصها الوردي عارية الأذرع متخيلةً معها كلمات ابنها تميم مردداً : " في القدس من في القدس إلا أنت".

ولا عجب برؤية رجلٍ يلتحي ويلبس ثوباً قصيراً ينقب بين المراجع، والمعاجم المكدسة عن كتاب (روح السياسة) لــ"غوستاف لوبون"، ومن خلفه تمر امرأة تلتبس كنزةً قصيرة متبرجة، تنزل بأقدامها للأسفل تثني نفسها مكشوفة الركب بحثاً عن رقم الكتاب الذي تبغيه لــ(لجمهورية أفلاطون)، وبين بحثها في ممرٍ مقابل يعبر كهلٌ وبجانبه شيخٌ، وعلى طاولةٍ يحيطها كراسٍ أربعة يخط أحدهم معادلاتٍ رياضية منهمكاً منشغلاً بالتكامل والتفاضل، لا يرقب طالبة جامعةٍ بحمرة شفاهها الفاقعة تقابله، وهي تفتح جهازها المحمول تضرب بكعبها الأرض، وترسم مخططاً لعمارةٍ تتعلمها في كليةٍ، تتفنن في تصميمه .

القلق في تلك البقعة التي مثلت نموذجاً من الفضيلة لا وجود له، فالأجهزة الخلوية الذكية، والحواسيب، ومقتنيات كل الشخوص المتواجدين مترامية، لا خوف للصوصٍ لأخذها، وطمأنينةٌ تحل على من وطأ مكتبة آل شومان، والبسمة مع الهدوء، والجو النظيف فكراً، وتهيئةً يحل ويعطي عدوةً لمن يحمل شيئاً بسيطاً من خلافٍ لا يسمن ولا يغني من جوع .

الشومانيون هنا على نبضٍ متواصل في قلبٍ واحد، كل الأيديلوجيات بتنوعها ماركسية، شيوعية، علمانية، ليبرالية، إسلامية واحدة، بصيرتها العلم والمعرفة، وإعمار العقل، حتى الطبقية تختفي تماماً حداً يجعل من بروليتارية مثقفٍ غناً يقتدي به أهل البرجوازية، ويشجعون فيه، فالمكانة مرتفعةٌ هنا بمقدار ما في العقل والفكر لا ما في الجيب.

 
undefined
 
لقد تأسست مؤسسة عبد الحميد شومان عام 1978، بمبادرة غير ربحية من البنك العربي عبر تخصيص جزء من أرباحه السنوية لإنشائها، إيمانًا منه بأهمية بذل الجهد في بناء الأرضية للتقدم العربي، من خلال دعم الاقتصاد الوطني بالتوازي مع الاعتناء الجاد بتشجيع البحث العلمي والدراسات الإنسانية والتنوير الثقافي والابتكار المجتمعي، والذي يتحقق من خلال الأركان الثلاثة التي تقوم عليها المؤسسة وهي: (الفكر القيادي، الأدب والفنون، والابتكار المجتمعي) .

لغةُ الصراخ، والضجيج محرمةٌ في حرم مكتبتها، ومكاتبها، وطوابق مبناها، فالسائد فيها لغة التهذيب شاملةً زائرها، وموظفها كبيراً في مستواه الوظيفي أو صغيراً، والجديد الآتي لها يغبط أصحاب الأقدمية ممن عرفوا قيمة، ومكانة كنوز المعرفة، والتعزيز الذاتي لها من النفس بإرادةٍ صلبة، وهمةٍ عالية .

الشومانيون أعمارهم تتراوح ما بين ( 3 – 100 سنة ) ليس في قاموسهم سنٌ محددٌ لنيل المعرفة، حين عرفت مكتبة شومان بصرحها مع مؤسستها منذ ثلاث سنوات، علمت حجم الفجوة التي كنت أعيشها بعيداً عن هؤلاء الشومانيين .

وكتبت بقلمي قائلاً لهم : " أكبر خطأ وظلام كنت فيه أنني لم أر نور هذا الصرح، وأنتبه لقيمته في مجتمعنا الأردني وفي عمان إلا من سنتين حقاً كنت أقولها لمن حولي : " نحتاج لعشرة من أصحاب الأموال في الأردن أن يفكروا بعمل صرح مثل مكتبة شومان للارتقاء بالعقول، وإعمارها، ومتأكد حينها أننا سنضمن تغيير جذري في كل ما هو سلبي في حياتنا، سترتقي العقول، ومعاملات الناس، وستسود ثقافة الحوار الرأي والرأي الآخر، وستتحسن أمور كثيرة، وسينضج المجتمع بأسره فكرياً، ومعرفياً، وسيبصر الجميع النور بعد الظلام، والجهل المركب الذي يسود ممارساتنا اليومية، وتعصبنا دون بحثٍ، وتنقيب. "، حقاً من طموحاتي، وما أتمناه أن أكون من أحد العاملين في مثل هكذا مؤسسة عريقة، وحقاً أعتز أن أكون واحداً من كوادرها لأن في جنباتها عدوةً إيجابية، وعملية تنعش الإنسان من جديد، وتبث فيه روح العطاء، والتعليم " .
 

الكثير من العقلاء يوقنون أن استثمار المال في إنضاج عقل البشري، وفكره هو أنجح استثمارٍ لأي مجتمعٍ يطمح لرفعته، وتطوره

عملت مؤسسة عبد الحميد شومان على إنشاء أول مكتبة عامة محوسبة ومجهزة بشكلٍ مثاليٍ في الأردن عام 1986، ودعمت العديد من المكتبات ضمن مشاريعها في الأردن وفلسطين، وأنشأت مكتبة درب المعرفة للأطفال والتي أطلقت في العام 2013 بهدف توفير بيئة وفضاء مفتوح للأطفال والشباب من الأعمار ما بين (3-16 سنة) من خلفيات مختلفة للقراءة والتفاعل والمشاركة في الأنشطة الإبداعية كجزء من رحلة فكرية وإبداعية لاكتشاف الذات، والتي تزامنت مع إطلاق برنامج السينما للأطفال في ذات العام .
 
كما وقامت على تعزيز ثقافتي السينما والموسيقا، من خلال برنامج السينما الذي أسّس في عام 1989 بهدف تعزيز ثقافة السينما وصناعة الأفلام مجتمعيًّا وثقافيًّا، وتمثّلت جهوده في تعزيز الفكر القيادي من خلال دعم مجالات البحث العلمي المختلفة وذلك بإطلاق جائزة عبد الحميد شومان للباحثين العرب عام 1982، وصندوق عبد الحميد شومان لدعم البحث العلمي عام 1999، وإتاحة الفرصة لجمهورٍ أوسع في التواصل مع المفكرين والباحثين والعلماء من خلال فعاليات ونشاطات منتدى عبد الحميد شومان الثقافي والذي أطلق في عام 1986 .
 
ولم تحرم الأذن من إيقاع المعزوفات المريحة للنفس، فأتت ببرنامج الأمسيات الموسيقية عام 2014، والذي يعدّ منصةً لتجارب أردنية وعالمية واعدة في المجال الموسيقي. وأطلقت ليالي الشعر في عام 2015 بالشراكة مع مؤسسة وتر للثقافة والإبداع، والتي تهدف إلى الاحتفاء بالشعر كشكل من أشكال الأدب المتأصل في التراث العربي .
 
إن الشومانيين المؤسسون، والذين صاروا جزءاً من هذه المدينة الثقافية ليصبحوا منها مؤمنين بفكرة ضرورة سيادة الثقافة، والمعرفة في مجتمعهم، شكلوا أيقونةً حضارية، وحداثة مجتمعية، تختلف اختلافاً جذرياً عن حقائق محيطات أردنيةٍ كثيرة من ذات المجتمع، تسودها حالة الغضب، والعنصرية، ورفض الآخر، والنبرة العالية بالصوت، والسباب، والشتائم، وغياب لغة الحوار .
 
والكثير من العقلاء يوقنون أن استثمار المال في إنضاج عقل البشري، وفكره هو أنجح استثمارٍ لأي مجتمعٍ يطمح لرفعته، وتطوره، وأن انسداد المخ عن البحث، والتنقيب، والتفسير، والتحليل سينتج أجيالاً خلقت للتلقين، والبصم والنسخ، لا للسؤال، والفضول نحو المعرفة، فهلموا بزيارتها في منطقة جبل عمان لتلتحقوا بركب الشومانيين .

 
 _____________________________________________________
 
المرجع: تم اقتباس بعض الفقرات من لمحة عامة عن موقع مؤسسة عبد الحميد شومان