شعار قسم مدونات

هل أنت مستعد للخروجِ عن القطيع؟

Blogs- birds
"الفرد لا يكون إنساناً إلا بقدر تحرّره من القيم والمعايير الاجتماعية وأنه يفقد من إنسانيّته بقدر ذوبانه في المجتمع" الخروج عن القطيع أو الهروب عن القطيع، أو الشرود عن القطيع، أو اختاروا لهذه اللوحة اسما شريطة أن يحمل (عن القطيع) في مقطعه الأخير. الخروج عن القطيع (الاسم ودائما ما يبهرَ المغمورون العالم بإبداعهم وسحرهم. قد لا تثير اللوحة اهتمامك من أول وهلة، وذلك إما لبساطتها، وقلة تفاصيلها، أو لقلة الألوان المستخدمة وانحصارها بين لونين لكن بدرجات مختلفة. غير أن الرسّام يصوّر فيها، بطريقة عميقة ومثيرة للإعجاب، والدهشة ماهيّة ثقافة القطيع وتأثيرها على صناعة الذات.
         
كما نشاهد القطيع في اللوحة يأخذ شكل صف طويل من البشر، ملامحهم زرقاء كئيبة، مملة مقرفة، ومتجمّدة، ومتحجرة لدرجة بعيدة. هذه الأجساد المتجمّدة لأفراد القطيع تعني أن نموهم توقف عند مرحلة معينة، كما أنهم متشابهون (جدا) وبلا ملامح نتيجة كون معظم أفكارهم وعقلياتهم مقولبة ومسبقة الصنع ومتفق عليها في عقلهم الجمعي.
                  
هذه اللوحة عبارة عن دراسة رائعة عن الاستقلالية والذاتيّة أو الفردانية وعن بحث الفرد عن ذاته وحقيقته، عن وجه وهويته
هذه اللوحة عبارة عن دراسة رائعة عن الاستقلالية والذاتيّة أو الفردانية وعن بحث الفرد عن ذاته وحقيقته، عن وجه وهويته
                    
لكن هناك شيئاً غريباً في هذه الصورة أترونه؟ إنه الشخص المنسلخ أو المنسحب أو فلنقل المندفع بقوّة إلى الخارج، خارج القطيع بالتأكيد. هذا هو التفصيل الذي يجتذب العين أكثر من سواه في اللوحة. رغم أن الصورة تضج بالبشر لكننا نجد أنفسنا نركز، وبشدة وبصورة لا يمكننا تجاهلها على هذا المتمرد الذي يحاول الخروج عن القطيع. من المثير للانتباه أيضا أن الرسّام لوّنه بلون مختلف عن بقية القطيع، ربما ليميزه عنهم، ويعطيه أفضلية لونية لذلك طلاه بلون يشبه اللون الأحمر، أو ربّما الأفضل أن نقول إن لونه يتحوّل شيئا فشيئا إلى الأحمر لنكون أكثرَ دقةً. وهذا اللون المتدرج هو لون النار، رمز التحدّي والإصرار والتمرّد والصمود.
           

الرجل إلى اليمين يبدو أنه الزعيم أو رمز السلطة الأبويّة، الآمر والناهي، أو فلنقل إنه يمثل القيم والمعايير، والمعتقدات العادات والتقاليد، الأعراف، أو ربما الثقافة العامة بشقيها المادية وغير المادية وأعني بغير المادية الأخلاق والقانون والآداب. يبدو هذا الشخص وهو يجاهد مع زميله الآخر إلى يمينه للإمساك بهذا المتمرد وإعادته إلى القطيع بيت الطاعة والولاء، أي إلى حظيرة القطيع والانصياع أو اتباع منظومة القيم المتعارف عليها. 

                   

الخارج عن القطيع في اللوحة، حقيقة هو واحد ممّن قضوا معظم حياتهم، وهم يظنون ويعتقدون بأنهم يدافعون عن أفكارهم ومعتقداتهم وقناعاتهم ورؤاهم الخاصّة

لنعد إلى المتمرد، الواقع أن فعله ليس فقط فعل خروج بمعناه الظاهر ولا حتى شروداً عن القطيع، ولكن حركته حركة، انفكاك او انشقاق، انسلاخ وتشتت.. انطلاق وتشظي في عنفها وقسوتها وطريقتها. القطيع يشدّه كي يبقى، فيما هو يشقّ طريقه منطلقا بكلّ قوّة للخلاص، والفكاك والانعتاق من الأسر الذي ضاق به. للانسلاخ من منظومة القيم والمعايير الاجتماعية، للهروب من قبضة المجتمع، هذا الانشقاق يعبر عن اليأس، والإحباط الذي يعانيه هذا المتمرد، أو فلنسميه هذا (المنسلخ) داخل القطيع. شكل القطيع الذي يشبه الأمواج، ربّما عبر الرسّام به عن سيادة السلطة التقليدية، وعلو كعب القيادة الكاريزمية وطغيان القطي. لنقل المجتمع وجبروته وقدرته على البطش بكلّ من يحاول الخروج عليه وعلى منظومة الأعراف، والقيم، والمعايير السائدة، أو ربما قصد الرسام به قدرة منظومة الضبط الاجتماعي غير الرسمية على فرض قوانينها الخاصة وتأثيرها في صناعة القرارات. 

                      
عموما، هذه اللوحة عبارة عن دراسة رائعة عن الاستقلالية والذاتيّة أو الفردانية وعن بحث الفرد عن ذاته وحقيقته، عن وجه وهويّته، عن حرية في المجتمعات الذكورية أو القطيعية أو الشمولية. لحظة، تأملوا قليلا تعبيرات وجه المنسلخ، إنها مملوءة بالألم والمعاناة، مملوءة بالعزيمة والتحمل، عيناه تصرخان، ويداه تصارعان لكن روحه تقاوم وتثور، عينه مثبّتة على شيء يراه من بعيد، بعيد جداً، قد تكون (فتاته) أو حلمه الذي يريد تحقيقه، توقه وتطلعه لأن يصبح إنسانا مختلفا، مستقلاً، منفرداً ومتميّزاً عن البقيّة وهنا (بالتأكيد) أعنى بقية القطيع. 
                  
الخارج عن القطيع في اللوحة، حقيقة هو واحد ممّن قضوا معظم حياتهم، وهم يظنون ويعتقدون بأنهم يدافعون عن أفكارهم ومعتقداتهم وقناعاتهم ورؤاهم الخاصّة. ثم اكتشفوا فيما بعد أنهم وللأسف الشديد كانوا يدافعون عن أفكار ورؤى وتصوّرات زرعها في عقولهم أناس آخرون، أغلبهم غادروا الحياة أو ربما أكلوا منها وشربوا. على سبيل المثال، آباءهم أو أجدادهم أو مجتمعاتهم بصورة عامة.
           
على سبيل المثال، المجتمعات التي يحكمها نمط الزواج الداخلي والذي يستحيل معه أن تتزوج الفتاة من خارج المجموعة القرابية تسود فيه ثقافة القطيع بصورة كبيرة، فالفتاة إن رغِبت الزواج برجل آخر من خارج قطيعها هنا لا أقول مجموعتها القرابية عليها أن تتحمل تبعات هذه الرغبة، وتجهز نفسها للانسلاخ والتشظي والانطلاق.