شعار قسم مدونات

كم كبرنا والطريق إلى السماء طويلة

blogs امرأة
كل منا هو من يلعب دور "البطل" في سرد روايته، فتجدنا نحمل في جعبتنا القليل الكثير من كل شيء، وفي صميم تلافيف أرواحنا تتكدسُ تجاربنا بحلوها وبمرها، فبين دفتي الرواية تقبع أحداث عصية عن التعريف، تحمل في جعبتها مواقف غامضة لطيفة، وأخرى تشعر لوهلة لا بأس بها من الزمن بأنها تختلج قرارة نفسك بعنفوانها، فأجدني اليوم يا صديقي أشرع بنصب دفتي، أُرسي حروفي على ميناءِ هذه الأسطر، ولستُ أدري إلى أيّ الدروب ستقودني الرياح العاتية، ولا إلى أيّ محطةٍ ستكونُ الوجهَةُ التالية، فعلى هذه المجرة ووسطِ ازدحام النجوم الصديقة، يقبعُ كوكبنا الحبيب، بحلتهِ وكامل وقاره، لِتَرْتَسِمَ حكايانا في ثنايا مدنهِ، وبينَ أزقةِ شوارعهِ، ولتجَسدَ معالمهُ نصباً تذكارياً يجوبُ دهاليزَ الذاكرة.
 
فحكايانا وإن كانت تحمل في طياتها طابعاً مُختلفاً، لكنها تشابهت تحت سقفِ ذاك الإطار الطفولي الذي تَحُدُهُ هالةٌ ملونةٌ تشعُ وهجاً، فلا شك بأنها هي ذاتها الساحرة الجميلة التي خلبت عقول كل من تَسمَّرَ أمامها، وعلى وقع ترانيم صوت طارق العربي طارقان، ورشا رزق، وسامي كلارك رقصت حناجرنا، وبين دهاليز كواكبها شطحت مُخيلتنا لتكسرَ رتابةَ يومنا، وما بين سنعودُ بعد قليلٍ وعدنا، كانت تتهاوى أفئدتنا، وبعصاها السحرية تربعت في سماء طفولتنا تجوبها من المشرقِ إلى المغرب. فلا زلتُ أذكر سعادتي الكبيرة حينَ تُصافحُ أُذنايَ صوت: "ريمي، ساندي بل، الكابتن ماجد، سندباد، لوز وسكر، سالي"، ولم يغادرني ماوكلي بقوله: "في الغابة قانونٌ يسري في كل مكان، قانونٌ أهمله البشر ونسوهُ الآن، إخلاصٌ حبٌّ دافئ، عيشٌ فطريٌ هانئ، لا ظلمٌ، ولا خوفٌ، ولا غدرٌ، ولا أحزان".
 

كبرنا مع روميو في
كبرنا مع روميو في "عهد الأصدقاء" لِتُجسِدَ حكايتهُ مفهوم الأُخوة، ولتعزِزَ قيم الصداقةِ وتَقرِنها بالوفاء والإخلاص

فَهَا نَحْنُ اليوم يا صديقي قد أُحيكَ واقعنا، فَكم أَجِدُني تَغيرَ حالنا، فهذا العالم الذي مفتاحهُ جهازُ تحكمٍ ينسدلُ على أناملنا ليكونَ بين أيدينا، فَندْلِفُ بين أرجائه نجوبها من خلاله، كان عالماً ساحراً، تنبَثِقُ من جنباتهِ قيم المحبة الصادقة والود، وتَتَخَلَلُهُ مفاهيم التعاون واللين التي غرستها أسرة أبي طلال في "دمتم سالمين"  في نفوسنا، فكبرنا مع روميو في "عهد الأصدقاء" لِتُجسِدَ حكايتهُ مفهوم الأُخوة، ولتعزِزَ قيم الصداقةِ وتَقرِنها بالوفاء والإخلاص.. فَعشقنا صوت رشا رزق عندما صدحَ عالياً يرنو:
بيننا صديق لا يعرف الكلل
مخلصٌ رقيق إن قال فعل
روميو صديقي يحفظُ عهد الأصدقاء
يعرفُ كيفَ يُجابهُ الأيام
روميو صديقي علمنا معنى الوفاء
علمنا أن لا نخشى الآلآم…
 فهو عالمٌ على الرغم من معايير بساطته، كان يَنتَشِلنا من بؤسنا ويدبُ شرارةَ الحياةِ والسرور في نفوسنا، ويطوفُ بِنَا إلى عالم أشبهَ ما يكون بالخيالِ الحلو، عالمٌ كالحبّ لا يمكن تفسيرهُ، هو فقط يفسّرُ كل شيء!

توقف هنيهةً ما بين الفينة والأخرى، أعد اتصال الروح بالجسد وانفخ لقلبك الحُبْ الذي تستحق أيّاً كانت الأشياء صغيرة قد تكون وحدها هي ما يجعلك تبتسم

فكم كبرنا يا صديقي، وكم كانت أحلامنا تُداعبُ النجوم، كَبرنا فاصطدمنا بواقعٍ جُلنا حاولَ مُسايرته، للتغلبِ عليه، ولتذوقِ نشوةَ النصرِ العظيمة، فمنا من فقدَ شغَفهُ بالشيء الذي لطالما أحبَّ أن يفعلهُ على الدوام، وآخرٌ أصبحَ يُواري خيباته بالأشياء التي حَلُمَ بها، وسعى إليها، فبذل من أجلها الكثير، ومن ثمَّ صبرَ، وصبرَ دون جدوى. وذاك الآخر من تملَقَهُ شعور اللامبالاة تجاه ذاك الأمر الذي كان يحتل الرقم َ الأول والأصعب في دهاليز ساحته، فَفَقَدَ رونقه بالبحث عن وجهٍ لطالما كان يعني له الكثير، فَحاول جاهداً رُغم تَجَرُعِهِ النكسات في انتشال نفسه من عقابيلها.

ومنا من أُضرمت النيران محيط هالته، فَجربَ شعور الضياع وسطَ نور الحقيقة، فَهُجّر من وطنٍ لا يزال يعني له الكثير، وآخرون يا صديقي تَبَلَدْت أفكارهم، فلا قدرة لهم على خوضِ جدالٍ، أو تبادلِ أيّةُ أطرافٍ من حديث، فكأنهم اتخذوا من الصمتِ ملجأً، فأصبحوا ينظرون لأحداثِ واقعِ يومهم وكأنها شيءٌ عاديٌ أبلهَ، لا غرابة في حدوثه.

وعلى الضفة الأخرى نَجِدُ من هو غارقٌ في لُجَةِ أفكاره، من يتركُ العَنانَ لنفسه، فَيَتَنفسُ الصُعداء، ويقطعُ شِرْشَ العُبوسِ والتهجُمِ من مُحياه، فلا وجود لشعورِ الفراغ في المحور الذي تَدور في فُلكهِ أفعاله، فَينتَصِبُ قامةً ليظفرَ بنفسه، وليبلغَ مُراده وسط انتهاكاتِ واقعنا البائس، وكأن ماري كوري تُمَثِلُهُ بقولها: "الحياة ليست سهلة لأيّ منا، ولكن ما معنى هذا؟ معناه؛ أنهُ لا بدَّ وأن نكون مُثابرين، صابرين، والأهم أنهُ لا بدَّ وأن نثق في أنفسنا، أن الله قد خلقنا لتحقيق شيء ما، ولا بدَّ من تحقيق الهدف من وجودنا في هذه الحياة، مهما كَلفنا ذلك من مشاق".
 
استوقفتني كلمات الدكتورة رولي راشد تقول: "توقف هنيهةً ما بين الفينة والأخرى، أعد اتصال الروح بالجسد وانفخ لقلبك الحُبْ الذي تستحق أيّاً كانت الأشياء صغيرة قد تكون وحدها هي ما يجعلك تبتسم ثم امضِ لأنك لا بدَّ ستمضي".

وأقول يا صديقي بأنه مهما كانت دروبنا طويلة فعلينا أن ندع الباب موارباً، لنزيل العقبات برمتها ولنكافح سقم الواقع، ولنتمسك بتلابيب الحياة، فننطلق للفضاء ونعانق أطراف المجرة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.