السلطة المعرفية ووهن المثقف

blogs كتاب و نظارة

إذا كنا بصدد حديث موسع حول فشل علم السياسة الغربي ومناهجه التي تدرس في مصر وفي العالم العربي على العموم. فإننا نُدفعُ دفعاً، إلى حديث مقابل لا يقل أهمية يتعلق بضرورة البحث عن تصور بديل لعلم السياسة في عالمنا العربي. وهو حديث ذو شجون، يعلم بذلك المهتمين بهذه القضية، من رجالات المجال ودارسيه في مصر وخارجها. 

إن التفكير في وضع علم سياسة جديد، ينبع من تصوراتنا المعرفية الخاصة بعالمنا الإسلامي، يجعلنا نركز وبشكل أساسي على إيجاد بيئة مناسبة لعملية التنظير السياسي، والتي يعتبر المنظر السياسي أو باللفظ الحديث الباحث السياسي، أهم عناصرها وركنها الركين، الذي بدونه ينتفي وجودها. ولأن تشخيص المرض كما يقول علم الطب أهم وأسبق من علاجه، كان واجباً على المشتغلين بعلم السياسة أن يعيدوا تشخيص الأمراض التي تعاني منها بيئة التنظير السياسي، ويعاني منها بالتحديد المنظر السياسي.

هذا المقال في الحقيقة ما يزال يسير في ركاب سابقه، يدنو إلى الشخصية والمعايشة أكثر من كونه أكاديمياً موغلاً في الأكاديمية. لذا فهو يقدم طرحاً شخصياً يتعلق برؤية محددة لأحد الأزمات التي يواجهها المنظر السياسي في واقعنا المعاصر، وهي أزمة " الوهن ".

المنظر الأصيل في الحقيقة يلزمه لأن يخرج تأصيلا نظريا أصيلا أن يرتدي رداء التنظير السياسي مكتملا. هذا الرداء لا يمكن أن ترتدي منه قطعة وتترك الأخرى

إن المنظر السياسي – الباحث السياسي – الذي يؤمن بضرورة وضع تصور سياسي جديد لعلم السياسة. ليقع تحت مطرقتين تتحرشان به ليل نهار. فهو واقع بين نار إيمانه بأهمية التنظير السياسي ووضع تصور جديد لعلم السياسة. وبين مطرقة شهوة الممارسة السياسية والعمل الرسمي مع ما يحمله كلاهما من مزايا على كل المستويات بعضها مادي يتعلق بالأموال والهدايا، وبعضها يتعلق بالوضع الاجتماعي الذي يحصل عليه الأبناء. وآخر يتعلق بالسلطة والنفوذ التي يحصل عليها هؤلاء المنظرين جراء تقلدهم لمناصب إدارية بالمراكز البحثية، وأقسام العلوم السياسية بالجامعات.

هذه الإشكالية والتي تبدو نفسية بامتياز تخرج لنا منظرين مشوهين. لا هم تجردوا للعلم وللتنظير السياسي، ولا هم انشغلوا بالمناصب وتقلد النياشين، إنهم يبدون في حُلَه المشوهين. ومن ثم يخرجُوا لنا تنظيرات سياسية مشوهة. تجمع بين الشيء ونقيضه، هذا لأن هذه التنظيرات شوهت بفعل الرسمية وأيدلوجية الدولة المسيطرة على مجتمع البحث العلمي. والمنظر الأصيل في الحقيقة يلزمه لأن يخرج تأصيلا نظريا أصيلا أن يرتدي رداء التنظير السياسي مكتملا. هذا الرداء لا يمكن أن ترتدي منه قطعة وتترك الأخرى. فالمنظر السياسي حين يهم ليمارس فعل التنظير السياسي فإنه ينطلق من تصور معرفي معين يستبطن أسسا وتصورات محددة تخرج من هذا التصور المعرفي. فأنت إن قررت أن تضع تصورا سياسيا لواقعنا الإسلامي. فإنك ترتدي رداء التصور المعرفي الإسلامي مكتملا بتصوراته وأسسه. لكن المشكلة تحدث حين يرتدي البعض رداءات متعددة، رداء التصور المعرفي الإسلامي ومعه رداء التصور المعرفي الغربي وهكذا. يخرج هذا تصورات هجينة، لا تجيب على أسئلة الواقع ولا تفهم كنهه.

يضاف إلى هذه الازدواجية في الأرضية المعرفية التي ينطلق منها المنظر السياسي، الشعور ب "الوهن" الذي يقبع في صدور المنظرين السياسيين، ويشعرهم في كل لحظة أنهم أقل شأنا وتأثيرا من الممارسين السياسيين الذين يشتغلون بالسياسة. فيقف المنظر السياسي في هذه الحالة عاجزا بين رغبة تلح عليه في الحصول على مميزات الممارس السياسي والمشتغل بالعمل الرسمي. وبين إيمانه بدور وأهمية التنظير المجرد الذي يضع الأسس الصحيحة للممارسة السياسية.

ورغم ما يمتلكه المنظر السياسي من سلطة معرفية تتعلق بما يحوزه من معارف ومن ثم من قدرة على الإقناع، إلا أنه يقف عاجزا أمام ما تتيحه السلطة الرسمية من مزايا واغراءات للمشتغلين بها. وتتداعى الآن إلى ذاكرتي عشرات المشاهد التي رأيت فيها أصحاب المعرفة وحمله العلم يتصاغرون أمام أصحاب السلطة والنفوذ والمناصب الرسمية. في تكثيف واضح لمعنى ال "الوهن" الذي يصيب أصحاب السلطة المعرفية – المنظرين السياسيين -. هذا الوهن يمنعهم من تقديم تصورات سياسية أصيلة. بل إن التصورات تخرج مشوهه بأمراض الرسمية وبأنظمة الدولة وأيدلوجيتها مهما حاول هذا المنظر أو ذاك أن يتحرر من رداء الدولة وأنظمتها.

قد يجادل البعض بأن إغراء المثقف قديم قدم المعرفة الإنسانية، وأنه ليس بوليد للحظة الحالية. لكن أعتقد أن الأمر اختلف تماما في عصرنا الحالي، لما تمتلكه المؤسسات الجامعية من احتكار للعملية التعليمية والبحثية بالتحديد، والتي تفرض على الأكاديميين مستويات مجحفة، ودرجات مرتفعة من ضرورة الالتزام بأجندتها البحثية ومن توجهاتها العامة. هذا الوهن يسهم بشكل كبير في فشل المنظرين السياسيين في وضع تصور سياسي جديد يعبر عن نموذجنا المعرفي الإسلامي وأسسه ويعالج واقعنا المتردي ويجيب على أسئلته.

إنه لمن المستحيل عقلا والمتمنع واقعا أن يستطيع المرء فصل نفسه وعزلها عن محيطه الأكاديمي، فلابد له أن يتأثر بهذا المحيط، ومن ثم تموت بداخله أي بذرة تمرد على الأجندة الأكاديمية أو التصور العلمي السائد
إنه لمن المستحيل عقلا والمتمنع واقعا أن يستطيع المرء فصل نفسه وعزلها عن محيطه الأكاديمي، فلابد له أن يتأثر بهذا المحيط، ومن ثم تموت بداخله أي بذرة تمرد على الأجندة الأكاديمية أو التصور العلمي السائد

ويبدو سؤال الحل لهذه الإشكالية في الحقيقة أعقد من الإشكالية ذاتها، وأشد تعذرا. يتحدث البعض عن ضرورة أن يتجرد المنظر السياسي بالكامل وأن يتعرى من رداء الدولة وأنظمتها الرسمية، ويلبث في بيته معتكفا للتنظير السياسي والكتابة عن تصور سياسي جديد؟ إلا أننا في الحقيقة نرى في هذا الطرح يوتوبية موغلة تغض الطرف عن الاحتياجات البيولوجية والاجتماعية للإنسان من حيث كونه إنسانا. لذا فهو طرح لا يليق بما يفكر في وضع تصور واقعي لواقعنا السياسي.

طرح آخر يقدمه البعض وهو أن يستمر هؤلاء المنظرين في وضع تصوراتهم هذه أثناء عملهم في المؤسسات الرسمية ومع أجهزة الدولة. وهو الحل الذي أظهر فشله مرارا وتكررا. فالدولة القومية ومؤسساتها تمتلك من البطش البيروقراطي ما تقدر من خلاله أن تؤد أي بذرة لمنظر سياسي يحاول الخروج عن رؤيتها المطروحة وأجندتها المحددة. وإنه لمن المستحيل عقلا والمتمنع واقعا أن يستطيع المرء فصل نفسه وعزلها عن محيطه الأكاديمي، فلابد له أن يتأثر بهذا المحيط، ومن ثم تموت بداخله أي بذرة تمرد على الأجندة الأكاديمية أو التصور العلمي السائد. ففي حقل العلوم السياسية بالتحديد، يتوغل علم السياسي الغربي بشكى كامل في المناهج الدراسية والأجندات البحثية. وأي محاولة لتغيير هذا الواقع من الداخل لطالما باءت بالفشل. 

طرح آخر جاء في تفكير البعض في إنشاء مؤسسات خاصة يعزل بداخلها باحثين علميين، بغرض توفير بيئة مناسبة لوضع تصور جديد لعلم السياسة. لكل هل نجحت هذه المؤسسات البحثية الجديدة في تحقيق الغرض منها؟ هل نجحت مؤسسات كمعهد الفكر الإسلامي أو مركز الحضارة أو غيره في وضع هذا التصور؟.

ورغم أن هذا الطرح الأخير يبدو في رأيي الحل الأكثر جدوى للخلاص من مشكلة الوهن. ورغم نجاح هذه المؤسسات وباحثيها وبشكل كبير في وضع أسس مهمه لهذا التصور. لكن تفصيلات هامة وعديدة تنتظر الباحثين السياسيين المهتمين بالكتابة عن تصور سياسي ينبع من ثقافتنا العربية والإسلامية. فأرفف مكتباتنا في العلوم السياسية تكاد تأن من كثرة ما بها من كتب تعالج أسس التصور السياسي الإسلامي، لكنها وفي الوقت نفسه تشكو من ضعف وقلة ما بها من كتب تفصل في هذا التصور وتضع له نماذج تطبيقية تجعله قابلا للتطبيق والتحقق على أرض الواقع.