السلام في عقول الناس

مدونات - جنوب السودان

وجدت المحاولة الانقلابية التي جرت في تركيا في يوم 15 من شهر يوليو 2016م والتي قام بها ضباط من الجيش التركي لاقت رفضاً من قبل الشعب التركي والقيادات السياسية والعسكرية بالبلاد حيث قال الجميع كلمتهم بمن فيهم خصوم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

 
لم يكن رفض الشعب التركي وقياداتهم للانقلاب العسكري الفاشل حباً في الرئيس أردوغان أو تأييداً لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، ولكن كان السبب رفض حب الأتراك لجمهوريتهم وحرص الجميع -الشعب والقيادة -على استقرار بلادهم، وأصبح شعار الكل هي أن "تركيا عانت من الانقلابات العسكرية، وبأننا كشعب تركي سندافع عن الديمقراطية".

 
لكن الغريب في كل الأزمات التي تمر بها جمهورية جنوب السودان أن الكل -الشعب والقيادات- جزء من الأزمة والكل يدعم الحرب والخراب بمن فيهم المثقفين والقيادات السياسية والعسكرية والصحفيين والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني ثم يأتي دور الشعب فتسوء الأزمة أكثر.

 
كثيراً ما قلنا بإن أزمة جنوب السودان هي أزمة شعب وليست أزمة قيادة كما يقول البعض منا، ونحن نعتبر أنفسنا شعب ولكن في الحقيقة نحن "مجموعة من القبائل تكره بعضها البعض" وتلك حقيقة قد ينكرها البعض أو الكثير منا ولكنها تظل هي الواقع المر الذي لابد أن نقبل به.

 
وبالرغم إن حقيقة أننا شعب متعدد القبائل إلا أن ذلك ليس هو لب الأزمة، لأن الشعب التركي الذي وقف أمام دبابات ورشاشات الانقلابين وأجبرهم على تسليم أنفسهم للسلطات التركية؛ هم شعب متعدد الأعراق والقوميات والأديان ولكنهم وقفوا وقفة الرجل الواحد لحماية جمهوريتهم من الخراب والفوضى، وللأتراك شعار يقول "تركيا وطنُ واحدُ متعدد القوميات".

 

الحقيقة هي أن السلام يجب أن يسود في عقولنا وقلوبنا وفي بيوتنا أولاً ومن ثم سيسود السلام في جمهوريتنا. فكما يقول ميخائيل نعيمة
الحقيقة هي أن السلام يجب أن يسود في عقولنا وقلوبنا وفي بيوتنا أولاً ومن ثم سيسود السلام في جمهوريتنا. فكما يقول ميخائيل نعيمة "السلام لا يولد في المؤتمرات الدولية بل في قلوب الناس وأفكارهم"
 

وخطاب الكراهية الذي يغني به الجميع حتى أطفال جمهورية جنوب السودان -العنصريون الصغار- والذي باتوا ينشدونه نهاراً جهاراً ما هو إلا انعكاس على الواقع الذي نعيشه في منازلنا ومجتمعاتنا العنصرية، وليس بشيء جديد أو حتى مرتبط بوجود الرئيس سلفاكير على سدة الحكم وليس له علاقة بإقالة الدكتور ريك مشار من منصبه كنائب الرئيس في العام 2013م أو من منصبه كنائب أول للرئيس في العام 2016م، ولكنه خطاب موجودة منذ أن عرف مواطنو جنوب السودان أنظمة الحكم.

 
وليس كما يقولون بأن الأزمة مرتبطة بالرئيس سلفاكير أو الدكتور ريك مشار أو الدكتور لام أكول أو بعدد من الجنرالات، إنما هي مرتبطة بالعقلية التي ينظر ويفكر بها مواطنو جنوب السودان عن أنفسهم، فنحن لا نرى أنفسنا كأبناء شعب واحد وإنما ننظر لأنفسنا كقبائل متناحرة سياسياً واجتماعياً.

 
فإن هناك من لا يرى في الجنرال تعبان دينق أو الجنرال باول ملونق أو الجنرال لادو قوري غير إثنيتهم أو قبائلهم، وذلك ما يدفعهم لحد طلب التدخل الخارجي لتدمير ما تبقى من جمهورية جنوب السودان التي دمرتها الأحقاد العنصرية بأكذوبة دواعي فرض السلام، ولكن الحقيقة هي أن السلام يجب أن يسود في عقولنا وقلوبنا وفي بيوتنا أولاً ومن ثم سيسود السلام في جمهوريتنا.

 
يقول المفكر والشاعر والقاص والمسرحي اللبناني ميخائيل نعيمة "السلام لا يولد في المؤتمرات الدولية بل في قلوب الناس و أفكارهم".