شعار قسم مدونات

في الحاجة إلى العلوم الإنسانية

blogs - مكتبة
(إن العلم لا يفكر)
-هيدغر

(هناك ما هو أهم من الاكتشافات الجميلة، وهو معرفة المنهج الذي تمت به هذه الاكتشافات)
-لايبنتز

إنه للأمم حياة وموت، وبينهما قوة وضعف، ومجد وسؤدد، وخبرة ونظام. فهذه تعلو حتى تستحكم بذرى المجد الباسق والقمة القعساء. والأخرى تهوي حتى تصل إلى الدرك الأسفل فتتساوى والعجماوات من الصم البكم، وما ذلك إلا لأثر العلم في هذه وانعدامه عند الأخرى، فبه تتفاضلان. إن فحص هذه المسألة الخطيرة ذات الأهمية البالغة وتعليلها، ووضع المناهج الكفيلة بحلها، لهو أمر ضروري لاستقصاء أسباب النهوض عند هذه والضعف عند تلك. وهذا لعمري من عمل العلماء ومن شأن أرباب الفكر وأولي النهى ذوي الأحلام والعقول، ولكن فالعلم علوم فمنه الذي يهتم بالماديات وآخر يهتم بالإنسان. فأيهم أحق وأجدر، ولكليهما الأثر والنفع دون استثناء.

إنه ولا مرية في ذلك أن إشكالات كهذه لا تجدها في الرياضيات ولا الفيزياء أو العلوم الحقة. وأن العلوم الإنسانية هي التي من شأنها البحث في مسائل ذات أهمية كهاته. لذا وتبعا لما عنونا به المقال فإننا نحاول أن نلفت النظر- إن أمكننا ذلك – إلى شيء وحيد ودون مواراة أو تواري بين الألفاظ وهو الحاجة إلى الفلسفة والآداب وعلوم كالاجتماع والنفس والتاريخ، أو لنقل بأخصر عبارة حاجتنا إلى الإنسانيات.

إن بلادا كاليونان وما كانت تتمتع به مدنها من حرية واستقلال وازدهار، فهذا قمين أن يكون نتاجا لوجود (الأكورة) ووجود مفكرين، ومصلحين، وسياسيين، وفلاسفة، يتناقشون حول إيجاد الحلول للمشاكل والقضايا العمرانية والاجتماعية والفلسفية، ومعالجتها وفق نظم خاصة، هي أشبه بمناهج أصبحنا ندرجها ضمن العلوم الإنسانية.

اندثرت الإنسانيات خطوة بل خطوات إلى الوراء تاركة المجال للعلم كي يتسيد، أو بالأحرى أريد لها ذلك، والعلوم الإنسانية من الفروع المعرفية الضرورية بل أكثرها أهمية

وبالتالي فدراسة هذه التخصصات التي تنتمي إلى حقول العوم الإنسانية، من قبيل الفلسفة، والتاريخ والآداب وعلم الاجتماع والنفس والسياسة، وغيرها. ليس مجرد كماليات تجعل منا أكثر توازنا في دراساتنا باطلاعنا عليها. بل هي أكثر من ذلك. إنها مشروع لإنتاج وصناعة أمة أكثر ازدهارا ورخاء وأمنا، وأكثر محافظة على هويتها في ظل هذه العولمة الجارفة التي لا تكاد تبقي وتذر. فالتوجه إلى الإنسانيات هو توجه نحو الحل ونحو الخلاص، فلا بد لنا من هاته العلوم حتى نحافظ من خلالها على جوهر إنسانيتنا التي لا نزال نحتفظ بها وسط هذا العالم، ولكي نسترد ما ضاع. فهي تساعدنا على التكيف وتساعدنا على الإبداع، فهي مصدر قوة الفرد والمجتمع وبالتالي فهي مصدر قوة الدولة .

والاتجاه نحو هذه العلوم لهو أكبر وسيلة لتمكين الدولة من قوتها وإزالة هذه العلوم ومناهجها سبب كفيل بذهاب هيبة الدولة ونتيجة حتمية لها. فهي مصدر القوة والمدنية والذاكرة الوطنية والتفاهم الثقافي والقيم الإنسانية والمثل العليا… ومصدر للإبقاء على استمرارية الأعراف والتقاليد والنظم التي تتميز بها دولة عن أخرى ومجتمع عن آخر، وكل هاته الأمور وغيرها كثير تكون سببا رئيسا في إنتاج مجتمع متوازن، وبالتالي فدعم هاته العلوم وتشجيعها هو بمثابة المحافظة على الدولة أو هو سبب لذلك والمحافظة على المجتمع والفرد الذي هو أساس المجتمع. إننا لا نبالغ حين نقول إن الشعوب قد استودعت خير ما تمتلكه في هذه العلوم، ونقول إنه لضرب من الجنون أو هو أكثر من ذلك، حين نقوم بننسف خير ما نملك.

إنه وفي ظل هذه الهيمنة والسيطرة التي يشهدها العلم، ونحن تجاه هذه الهيمنة والسيطرة التي يتميز بها فإننا ننوه بأننا بحاجة، بل أكثر من هذا إننا بحاجة ماسة وأكثر من أي وقت قد مضى إلى الاهتمام وتوجيه الأنظار نحو العلوم الإنسانية. لما لها من أهمية كبرى. إننا نحاول لفت الانتباه إلى هاته العلوم ونحن نعي ضرورة ذلك، نظرا لما تعرفه الفترة المعاصرة من حياة البشرية، فهي مرحلة شديدة التميز، وما تشهده من انقلابات داخل مجال العلوم فمن علم بابه كاسد أهله معدمون، إلى آخر حي يتمتع بكل وسائل النمو والاعتراف والأهمية. وليس ذاك لكبير أهمية وإنما لسوء الاختيار والزهد فيما فيه النفع.

وبالتالي فهيمنة العلم باعتباره أنفس ما وصلت إليه البشرية عبر العصور، ومن ثمة بات هو الفاعل الرئيسي والعامل الحاسم في تشكيل الواقع والعقل، واندثرت الإنسانيات خطوة بل خطوات إلى الوراء تاركة المجال للعلم كي يتسيد، أو بالأحرى أريد لها ذلك وهي من الفروع المعرفية الضرورية بل أكثرها أهمية إن لم نقل الأصل الذي انبثقت منه جميع العلوم ولكنها أصبحت أما ثكلى بانفصال العلوم عنها.

ندعو وزارة معارفنا إلى إعادة النظر في الإنسانيات، والدفع بها قدما حتى تستقر في المكانة اللائقة بها. لما لها من أهمية في حياتنا، فتساعد على إنتاج جيل عاقل واع بمسؤولياته
ندعو وزارة معارفنا إلى إعادة النظر في الإنسانيات، والدفع بها قدما حتى تستقر في المكانة اللائقة بها. لما لها من أهمية في حياتنا، فتساعد على إنتاج جيل عاقل واع بمسؤولياته
 

إن العلوم الإنسانية من شأنها أن تنتج لنا إنسانا له القدرة على التمييز والتشكيك ومساءلة اليقينيات والوثوقيات. وكل المعارف التي نتلقاها، والتي تنتجها لنا فرضيات العلم، ويجعلنا نؤمن بها كحقائق لا يرتقي الشك إليها. فهي تحاول سحب بساط القدسية عن كل المعارف، فليس هناك معرفة تعلو عن النقد والفحص والتمحيص. نظرا لما تكتسبه من طابع نقدي يميز منهجها وأسلوبها في معالجة النظريات والظواهر الإنسانية وبشمولية. هذا ما نحن بحاجة إليه هو إيجاد أفراد بل مجتمع يتمتع بحس نقدي، يخول له التساؤل والتفسير ومحاولة الفهم. وأحيانا تقويض بعض المزاعم والدعاوى التي تنتجها لنا بعض الحقول المعرفية، كالسياسة والدين وأخرى تخص المجتمع والنفس.. وغيرها من مجالات التفكير.

فالقدرة على ممارسة هذا النمط الفكري هو ما ينبئ عن استمرارية الحياة والعافية داخل مجتمع ما من عدمها. فلما تخلفت العلوم الإنسانية عن الدور المنوط بها، وأبرزها قيادة المجتمع إلى بر الأمان، وإنتاج نماذج تفسيرية لاستقصاء كل ما يلم به المجتمع من أزمات، وما يتخبط فيه من مشاكل على جميع المستويات، ومحاولة إيجاد الحلول الممكنة لذلك. فلما تخلفت الإنسانيات تقدم العلم، فتصدر للإفتاء في كل النوازل محاولا لم شعت هذه المطبات التي تشغل فكر الناس فأفسد من حيت أراد الإصلاح فأنتج كما قال ذاك غلمانا كلهم أشأم كأحمر عاد. وليس هذا الإلحاد المستشري إلا من نتائج نظريات علمية منحرفة، أو من ردة فعل تجاه أولئك المتزمتين الذي ألغوا الأدب والشعر الذي يرقق طباعهم ويهذب أخلاقهم.
ولولا خلال سنَّها الشعر ما درى بغاة الندى من أين تؤتى المكارم.

ولسنا هنا نريد بهذا الكلام إقصاء العلوم من حياتنا، فلولاه لكنا ما نزال نعاني، فيعيى الجسم دون المراد ويكل الذهن في غير نفع… فهو ذلل الصعاب وقرب البعيد وأوجد المستحيل وغدا كل شيء معه متوفر، فنحن لا ننقم عليه أو نريد إلغاءه ولكنما الذي نريد هو أن ننزل العلوم منازلها. فلكل علم مجالاته التي ينشط فيها ويتحكم. فمالنا أصبحنا نجد العلم يتحكم في إنسانيتنا وهذا هو الذي نعارضه، وإن كان لا يخفى علينا تزعم العلم في هاته الفترة والتحكم في كل شيء، ومن كان بجانبه العلم فهو المسيطر المتحكم في زمام الأمور. ولهذا السبب بالذات ندعو وزارة معارفنا إلى إعادة النظر في الإنسانيات، والدفع بها قدما حتى تستقر في المكانة اللائقة بها. لما لها من أهمية كبرى في حياتنا فتساعد على إنتاج جيل عاقل واع بمسؤولياته، وهذا إن لم نبالغ فلتكن النظرة لهما معا متساوية فكلاهما ذو أهمية في حياة الفرد والمجتمع والدولة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.