كيف تحول التيار الجهادي إلى السلفية الجهادية؟

blogs - salafi
حارب عبد الناصر الحركة الإسلامية فنتج فراغ كبير بغيابها، وتراجعت الدعوة، واقتصرت على الأزهر الضعيف وبعض الوعاظ بشكل فردي، وفي آخر عهده بعد هزيمة 1967، تم الإعلان عن موت القومية العربية كما عنونت بالخط العريض جريدة الشرق الأوسط، وذلك في السادس من حزيران.أعقب ذلك حالة من انتشار التدين في المجتمع المصري، حتى ظهر نفسٌ ديني عند عبد الناصر نفسه، مما جعل صحف البعث تهاجمه! كان من أبرز سمات تدين تلك الفترة: البساطة لغياب جهود المربين والدعاة كما يجب، وانتشاره بين الشباب واللافت ظهوره بقوة في الكليات ذات التخصصات العلمية.
انتشرت في تلك الفترة الأفكار السلفية (غير النجدية) أكثر من غيرها، واعتني بمؤلفات ابن تيمية وابن القيم وابن كثير، نتج عن ذلك بروز جماعات وتيارات مثل التوجهات السلفية في الإسكندرية، ومنها الشيخ محمد إسماعيل المقدم (طبيب) ركز على الفقه والتأصيل الشرعي، وأحمد فريد (طبيب) ركز على الإيمانيات، وكانت ذات حضور قوي في الإسكندرية، وهي سلفية علمية منذ نشأتها.

بالنظر إلى مسار التيار الجهادي في مصر يبدو أنه تبلور على أفكار محددة، مثل ما جاء في كتاب (الفريضة الغائبة) لمحمد عبد السلام فرج، تم إعدامه وعمره ٢٤ عاما

وكذلك نشأت جماعة أخرى وهي الجماعة الإسلامية، التي تزعمها الشيخ الضرير عمر عبد الرحمن، وهو عالم أزهري، يحمل دكتوراه في التفسير، ويمكن اعتباره العالم الشرعي الوحيد في هذا التيار! نظمت هذه الجماعة نفسها في ميدان الدعوة، مهمتها "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ويغلب عليها المنزع السلفي. كما ظهر تنظيم الجهاد على يد أيمن الظواهري، منطلقا من أفكار سيد قطب، وخاصة الحاكمية، بيد أنه يرى تطبيقها على الأرض بالقوة.

ومع إفراج السادات عن جماعة الإخوان المسلمين، حصلت لقاءات مع الشباب وحاورتهم، وكان على رأس ذلك مرشد الجماعة عمر التلمساني، وهو شخصية قوية علميا وفكريا ودعويا، فجلس معهم وفهم مشكلاتهم وأوضح لهم الأمور، فاستقطب منهم نسبة كبيرة مثل عصام العريان وعبد المنعم أبو الفتوح وأبو العلا ماضي وآخرين.. ونتيجة للزخم الدعوي الكبير وظهور تحديات سياسية واجتماعية في تلك الفترة، أدت إلى نزعة غضب، الأمر الذي انتقل بالجماعة الإسلامية من السلمية إلى السلاح، وهنا التقت مع (تنظيم الجهاد) لتنتج عملية قتل السادات.

وبالنظر إلى مسار التيار الجهادي في مصر يبدو أنه تبلور على أفكار محددة، مثل ما جاء في كتاب (الفريضة الغائبة) لمحمد عبد السلام فرج (وهو مهندس كهربائي، تم إعدامه وعمره ٢٤ عاما!) والكتاب بسيط يرتكز على الحاكمية، لكنه أثار قضايا مهمة، كحكم الطائفة الممتنعة، وفتوى (ماردين)، وقضية (الياسق)، وطرح مسألة: هل قتال العدو القريب (النظام الحاكم) أولى أم قتال العدو البعيد (أمريكا) ؟، وانتهى إلى أن الحل بحمل السلاح، ويمكن اعتباره أول من وظَّف حديث (جئتكم بالذبح).
ومع قدوم التجربة الجهادية الأفغانية تراكمت عند التيار الجهادي بمصر إضافات فقهية وحركية.

مع ظهور (القاعدة) أواخر التسعينيات، يمكن اعتبار السلفية الجهادية مدرسة متكاملة، فيها أدبيات ودعاة ومواقع إعلامية، تطبق نظريات السلفية الجهادية على الأرض
مع ظهور (القاعدة) أواخر التسعينيات، يمكن اعتبار السلفية الجهادية مدرسة متكاملة، فيها أدبيات ودعاة ومواقع إعلامية، تطبق نظريات السلفية الجهادية على الأرض
 

هذا بالإضافة إلى مؤلفات الدكتور فضل (هو طبيب، اسمه الحقيقي سيد إمام الشريف) الذي استجاب لطلب صديقه الظواهري (وقد تخاصم معه لاحقا واتهمه بتحريف كتبه!) فألف لأتباعهما كتابي (الجامع في طلب العلم الشريف، والعمدة في إعداد العدة) فصار يؤصل فقهيا لهذا التيار، ولم تطرأ على أفكار التيار الجهادي أي أفكار جديدة سوى قضايا تفصيلية لكن لا تخرج عن الحاكمية، مثل حكم الديمقراطية والبرلمان والتكفير بالفعل.

وللدكتور فضل اسم آخر مستعار (عبد القادر عبد العزيز)، وبالرغم من قوته العلمية إلا أنه كان جَمّاعا لا مبدعا، ويختار من التراث الفقهي الكبير للأمة الأفكارَ المتشددة فقط التي تناسب ميوله! وفي تسعينيات القرن الماضي بدأ التيار الجهادي بالتبلور أكثر، فدخلت عليه أفكار محمد قطب، وخاصة قضية (الإرجاء).

وعن مراجعات السلفية الجهادية، صرَّح المهندس عبد الحكيم بلحاج في برنامج بلا حدود على قناة الجزيرة بقوله: قمنا بمراجعات مهمة وعدنا إلى الفكر الوسطي فكر الدكتور القرضاوي

على أن الإضافة الكبيرة كانت من أبي محمد المقدسي، الذي ضخ في التيار الجهادي الزخم السلفي النجدي، من خلال كتابه الشهير (ملة إبراهيم) ويلاحظ أنه لم يخرج قيد أنملة عن الفكر النجدي! تلاه لاحقا في التأييد هذا أبو قتادة الفلسطيني، وأبو بصير الطرطوسي، ليتم إثارة قضايا شائكة مثل: الولاء والبراء، والعذر بالجهل، والطائفة المنصورة ونواقض الإسلام. حينها تحوَّل (التيار الجهادي) إلى (السلفية الجهادية)، التي انشغلت رموزها بقضايا معينة مثل:
– انشغال الظواهري بالبعد السياسي.
– اهتمام أبو مصعب السوري بالحركية.
– تركيز المقدسي والفلسطيني والطرطوسي على العقيدة والفكر.
– انشغال الدكتور فضل بالتأصيل الفقهي.

ومع ظهور (القاعدة) أواخر التسعينيات، يمكن اعتبار السلفية الجهادية مدرسة متكاملة، فيها أدبيات ودعاة ومواقع إعلامية، تطبق نظريات السلفية الجهادية على الأرض، من خلال قتال ما يرونه (رأس الحية) أي أمريكا. وفي الحقيقة؛ فالتيار الجهادي وتطوراته شهدت الكثير من المراجعات بعد تجارب مريرة:
أبرزها مراجعات الجماعة الإسلامية في مصر، حيث بدأت في مبادرة وقف العنف عام ١٩٩٧، ثم سلسلة إصدارات فقهية وفكرية عام ٢٠٠٢ م، مثل كتابي (حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين) و(تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء).. لاغية كتبها القديمة في الثمانينات مثل (قتال الطائفة الممتنعة عن تحكيم شرع الله) و(حتمية المواجهة)، ولها موقع الكتروني باسم الجماعة، يدعم مراجعاتها فكريا وفقهيا ودعويا.

وكذلك مراجعات الجماعة الجهادية الموريتانية بعد حوارات مع الشيخ ولد الددو، حين كان معتقلا بينهم.
ومراجعات (الجماعة الليبية المقاتلة) بعد حوارات مطولة مع الشيخ علي الصلابي، وقد طبعت هذه المراجعات في لبنان، عام ٢٠١٠ م، بعنوان (دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس)، وقد صرَّح المهندس عبد الحكيم بلحاج في برنامج بلا حدود على قناة الجزيرة بقوله: قمنا بمراجعات مهمة وعدنا إلى الفكر الوسطي فكر الدكتور القرضاوي.

وهنالك مراجعات لآخرين مثل: الفزازي المغربي، والدكتور فضل نفسه، وأبي حفص الموريتاني، والطرطوسي. يلاحظ انزواء فكر السلفية الجهادية بعد تجربة العراق، ولم يبق له ذكر، لكن استعاد ظهوره بعد ذلك ليتبين أن فكره يظهر مع الأزمات والمحن، ويأفل مع أفولها! هل ستكون الحالة السورية مرحلة تراجع جديدة؟
أخبرني الدكتور حذيفة عبد الله عزام بأن التجربة السورية هي آخر تجربة له.