شعار قسم مدونات

عندَمَا يَفقِدُ الحُبُّ سَكِينَتَهُ

blogs الحب و الانجذاب

ما أسوء أن يفقد الحب سكينته ورهبته، فيتحول من علاقة وردية جميلة إلى عدوان منزوع الرحمة. إذا تصور المرء في عقله أن الحب محصور بصندوق العلاقة الجنسية، يقيمها مع محبوبه دون أن يقترن بالسكينة والمودة؛ فقد أساء فهم هذه العلاقة، وأتاها من حيث لا يجب، فأصل الحب أن تطمئن بجوار محبوبك، وتسكن جوارحك بحضرته، وتألف غير المرغوب إن هو رغبه، فتمتزج الأرواح بصفاء، وتسمو فوق قمم الرحمة. لكن عدوان الحب قد يغيّر المعادلة، فتخرج العلاقة من صورتها البهية إلى صورة أخرى مغايرة، فتصبح الأرواح متنافرة متلاعنة، وإن تقلبت في مراتب الحب من الهوى حتى الهيام.

ليس حبًا ما بني على اللذات المادية دون غيرها، وليس حبًا ما نشأ من "النظرة الأولى"، لأن بتلك النظرة الأولى يعشق المرء مظهرًا خارجيًا، ويحيّد المضمون من عشقه، فيكون بذلك مجرد علاقة جوفاء فارغة لا معنى لها، تنقضي بانقضاء الحاجة المادية، ومن ظنَّ أنه هائم بمعشوقه حد الجنون دون أن يشعر بهيبةٍ تسقط أمامها كل كبرياء؛ فإن العشق -والحال كذلك- بلا سكنٍ ولا اطمئنانٍ مجرد عدوان يُعتدى به على من المحبوب، فإن وجد صاحب هذا التصور نهمه في غير محبوبه ألقى به على هامش الحياة، أو ربما ألقاه إلى العدم حيث لا اعتبار ولا شعور.

كما أن للعشق مراتب، تبدأ بالهوى وتنتهي بالهيام فأيضًا للقسوة مراتب، وأعلاها عدوان الحب، وهو أشد مراتب القسوة إيلامًا، إذ تبدو في ظاهرها علاقة جميلة، لكن في حقيقتها مجردة من أي جمال

حينها فقط سيتحول الحب إلى عدوان، تتحطم بسببه القلوب والأسر والمجتمعات، وليس عدوانًا مجرد، بل مشبعٌ بالقسوة، ربما يبدو الأمر متناقض، لكن حقيقة الحب ما يتضمن الرحمة، والرحمة نقيض القسوة، فالحب أشمل وأوسع من الرحمة ومتضمن لها، بينما الرحمة لا تتضمن الحب، قد ترحم من لا تحب، لكن لا يمكنك أن تحب من لا ترحمه.

كما أن للعشق مراتب، تبدأ بالهوى وتنتهي بالهيام -قمة هرم العشق- فأيضًا للقسوة مراتب، وأعلاها عدوان الحب، وهو أشد مراتب القسوة إيلامًا، إذ تبدو في ظاهرها علاقة جميلة، لكن في حقيقتها مجردة من أي جمال.

قال تعالى (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)، علل سبحانه الحكمة من مشروعية الزواج بالسكن والمودة والرحمة، ولم يكن للحب مكان في هذا التعليل، لأن السكن والمودة والرحمة تتضمن معنى الحب، ولأنها أعمق وأشمل من معنى الحب.

قد يقول قائل: أني انصرفت في كلامي لنوع آخر من أنواع الحب، وهو المحبة، فالمحبة علاقة غير مبينة على جنس أو عاطفة، فهي علاقة بعيدة عن المعنى البيولوجي للحب، قد توجه لشخص أو فكرة أو مبدأ، فنزع الجنس من علاقة الحب يخرجها من كونها حبًا. أقول: إن مقصودي ليس نزع الجنس من علاقة الحب، إنما تعليق الحب بالعلاقة الجنسية، وفهمه تحت ضوء تلك العلاقة، فالذين يعشقون للجنس فقط هم في الحقيقة لا يعشقون عشقًا عذريًا صادقًا، إنما يعشقون أجساد معشوقيهم، سرعان ما تنتهي العلاقة بالملل والرغبة في التجديد، ثم تفكك الأسرة والتي يأتي بعدها تباعًا تفكك المجتمعات، وإلى هذا يشير قول الفاروق عمر رضي الله عنه: "ليسَ كلُّ البُيوتِ تُبنَى على الحبّ" وفي رواية أضاف "أين الرعاية وأين التذمم؟".

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.