شعار قسم مدونات

زينب وأخواتها.. وجه إسطنبول الذي لا يراه السائحون

Blogs- istanbul

مدينة كإسطنبول تحتفي بالتاريخ والآثار، وتشكل المنمنمات جزءاً من ديكور كل زاوية في منطقة سلطان أحمد، تكاد عين السائح تسبقه إلى الخطأ فيظن زينب وأخواتها جزءاً من ديكور مطاعم تلك المنطقة، وإن كن كذلك بمعنى من المعاني حقاً.

                     

كانت زينب تجلس خلف الزجاج الأمامي للمطعم في زاوية متسعة خصصت لها، وهي غارقة في لباسها الأبيض، أمامها طاولة واطئة مستديرة ترقق عليها العجين، وقد وضعت إحدى قدميها تحت فخذها ومدت الأخرى وهي تتأمل المارة في سكينة. كانت منظرها فلكلورياً جاذباً لانتباه المارة وأنظارهم بحق، لكنها كانت بدورها تنظر إليهم وتتساءل هل يروننا حقاً؟ أو بشكل أدق هل يستطيعون رؤيتنا أم يكتفون بالنظر، النظر العابر؟  لا يهم فإنها تشبه فاطمة نور.

     

أمام الزجاج مسرعة كانت تمر فتاة من فتيات إسطنبول بحجابها الملون حاملة حقيبتها، وفي يدها كتاب تضمه إلى صدرها، لعلها طالبة جامعية آتية أو ذاهبة إلى كليتها. عيونها اللوزية المتسائلة ذكرت زينب بفاطمة جيم، صغيرتها التي تركتها نائمة في البيت حين خرجت إلى العمل، مثل تلك العيون اللوزية المتسائلة هي التي تشق لزينب باب الحلم، الحلم بفاطمة نور وقد بلغت المرحلة الجامعية، وما بعدها، الحلم ألا تضطر صغيرتها إلى البقاء سحابة يومها خلف هذه الطاولة من أجل الفتات، ليس فتات الطعام بالطبع بل فتات الأموال. بين زينب والأحلام لا يدري المرء بدقة أيهما الذي يعجن الآخر، لكن المؤكد في النهاية أنها خبز زينب ومثيلاتها اليومي.

            

هناك وجه آخر لإسطنبول وجه يروي حكاية الفقر وانعدام فرص العمل في مناطق من الأناضول، ممَّا يدفع بالقرويين إلى القدوم إلى إسطنبول، بحثاً عن فرص العمل في عاصمة الدنيا كما حلم بها نابليون يوماً
هناك وجه آخر لإسطنبول وجه يروي حكاية الفقر وانعدام فرص العمل في مناطق من الأناضول، ممَّا يدفع بالقرويين إلى القدوم إلى إسطنبول، بحثاً عن فرص العمل في عاصمة الدنيا كما حلم بها نابليون يوماً
     

تنظر إلى هؤلاء الذين يرتادون المطعم وأولئك الذين يرتادون الصراف الذي أمامه يدخلون مبتسمين ويخرجون كذلك، ينفقون في وجبة أو دعوة واحدة ما تناله هي في أيام من عمل شاق، أشق ما فيه الجلوس ليراك الآخرون وكأنك لا تختلف في قليل أو كثير عن لوح الدعاية المنصوب فوق باب المطعم. لم تدرك زينب من التعليم والثقافة ما يعينها على الحديث عن تسليع الإنسان وتشيئه مثلاً، كما يفعل المثقفون، لكنها تدرك بشكل أعمق منهم جميعاً معنى هذه المصطلحات بالمعايشة اليومية والتمثل الدائم لها.

     

وخير ما في هذا العمل أنه يتيح لها النظر وتأمل الدنيا التي تمور بالحركة في الخارج، النظر والحلم هما رفيقاها السريان في العمل، هما اللذان يوحيان لها أن أكتاي سيكون كالنازل من هذه السيارة الفارهة التي وقفت أمام المطعم الآن. أكتاي ابنها الصغير الذي بلغ أول المرحلة المتوسطة. وهي تصر أن يتعلم لا تدرك أن المدرسة نفسها قد علمته أشياء أخر.. جمعته برفاق العمر، رفاق السوء الذين كانت أول دروسهم العملية التدخين، وباقي الدروس ستأتي تباعاً، كانت تفر به من مصير خاله إسماعيل، لكن ماذا نفعل و"ثلثين الولد لخاله".

       

كل من زار إسطنبول ناله إعجاب قليل أو كثير بمبانيها، أما اللاجئون المشردون من أمثالنا فإن من أعز أمانيهم امتلاك بيت فيها، لأن البيت يعني "وطن" ولو بشكل مصغر ربما. لكن لهذه المباني عند إسماعيل وجه آخر يخفى علينا، الطارئين الجدد على إسطنبول، لكنه معروف عند أهليها.. وجه يروي حكاية الفقر والحرب وانعدام فرص العمل في مناطق من الأناضول، ممَّا يدفع بالقرويين من أمثال إسماعيل وأرطغرل زوج زينب وغيرهما إلى القدوم إلى إسطنبول، بحثاً عن فرص العمل في عاصمة الدنيا كما حلم بها نابليون يوماً.

          

في كل صباح تخرج أفواج من العاملين من بيوتهم، ينتشرون في شوارع إسطنبول كنوارسها الهائمة دوماً، حياتهم المحصورة بين البيت والعمل
في كل صباح تخرج أفواج من العاملين من بيوتهم، ينتشرون في شوارع إسطنبول كنوارسها الهائمة دوماً، حياتهم المحصورة بين البيت والعمل
      

انتهى مطاف البحث عن مورد رزق بإسماعيل عاملاً في الإنشاءات يبني هذه الأبراج الزجاجية المبهرة في إسطنبول، تهلكه شمس الصيف ولا يرحمه قر الشتاء، ولا يناله من هذا كله إلا راتب متواضع وتقصير العمر، فهذا النوع من الأعمال الشاقة يفتك بقوة الجسد، يهد الحيل كما يقال بالعامية، وصاحبه يشعر بذلك ويتحسسه مع كل بناء، لكن لا خيار.. لا خيار إلا الإكمال في هذا الطريق وأن يحلم هو الآخر بأبنائه كما تفعل زينب، بعد أن توفي زوجها بائع الشاي في حادث سيارة يقودها ابن مدلل لأحد أغنياء إسطنبول نال منه السُّكر. 

         

في كل صباح تخرج أفواج من العاملين من بيوتهم، ينتشرون في شوارع إسطنبول كنوارسها الهائمة دوماً، حياتهم المحصورة بين البيت والعمل أقرب لهذه السفن المتنقلة دون توقف بين الضفتين، تراهم صباحاً واقفين قرب شاطئ أسكودار والنعاس يتلاعب بأعينهم، يتناولون كؤوساً كبيرة من الورق المقوى ملئت بحساء العدس توزعها البلدية مجاناً مع قطعة سميت، هذا فطورهم الذي يفتتحون به يومهم، ثم يتجهون إلى المترو وينتقل كل إلى واد، وبين هذه الجموع زينب التي تخرج مبكرة من منطقة سلطان بيلي، منتقلة من وسيلة مواصلات إلى أخرى حتى تصل إلى مكان عملها في رحلة تستغرق أكثر من ساعة أحياناً.. إنها إسطنبول. 

           

كانت زينب في تأملها للغاديين والرائحين، وفي تساؤلاتها عن الرؤية والنظر، تشعر دوماً أن أغنياء إسطنبول وفقراءها كضفتي المدينة، تتراءى بعض من ملامح كل منهما لساكني الأخرى رغم خليج يفصل بينهما، أما الجسور والانتقال.. فهذا أمر آخر. 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.