التعليم قضية أَمنية

blogs - تلاميذ في مدرسة عربية
يعتبر الأمن من أصعب القضايا التي تواجهها الدولة لأنه متغير ومركب وذو أبعاد عدة ومستويات متنوعة، فلم يعد الأمن حاليا مرتبطا فقط بالقوة الصلبة، وإنما برزت متغيرات جديدة كالتهديدات العابرة للحدود، والتي لا تحمل طابعًا عسكريًّا مباشرًا، ويكون وراءها فواعل غير رسمية، فتم توسيع مفهوم الأمن وهو ما يعرف بالأمن الشامل الذي يضم أبعادا أخرى اقتصادية، اجتماعية، وفكرية، فالأمن الفكري والذي هو محور موضوعنا مرتبط بالحفاظ على الهوية الوطنية والجينات القاعدية للمجتمع في مواجهة التيارات الثقافية الدخيلة، أو الأجنبية المشبوهة، أي حماية وتحصين الهوية الثقافية من الاختراق.
التعليم كإجراء وقائي لاحتواء الانحراف الفكري
عند عدم قـدرة الـدولة على الـقـضـاء على الجهل يؤدي ذلك إلى عدم الاستقرار السياسي وإلى الاشتباكات القبلية والصراعات الدينية العرقية المجتمعية نتاجا لسوء فهم مقاصد الشرعية، واستغلال الشعائر الدينية كتغطية للمساس بالأمن العام وتشويه الصورة السلمية للدين واستخدام مصطلحات تثير عواطف الناس كالجهاد، وحور العين.

يعتبر التعليم ركيزة أساسية لترسيخ الأمن، فهو يعلم الطالب رفض كل الأفكار والسلوكيات التي قد تؤدي إلى العدوان على الممتلكات الخاصة أو العامة وسلامة فكر الإنسان من الانحراف والخروج عن الوسطية والاعتدال في فهم الأمور الدينية والسياسية، من غير تعصب أو إقصاء، وعلى التربية لكي يعيشوا بفعالية في المجتمع مع اكتساب التفكير النقدي والإبداع و تقبل العيش المشترك، فالمدرسة هي المؤسسة التي تصوغ عقيدة المجتمع وتسطر توجهاته التي تقتضي الالتزام بقيم واعراف المجتمع الذي ينتمي إليه.

استراتيجيات تعزيز الأمن الوطني من خلال التعليم
بعد وقوع أي هجوم إرهابي تتخذ الدولة تدابير أمنية استثنائية، لمطاردة الإرهابيين وتصفيتهم، ثم تعود الحياة إلى طبيعتها إلى أن يقع الهجوم التالي ولهذا يجب توسيع استراتيجيات المكافحة بإدخال متغيرات جديدة استباقية تمنع الانحرافات الفكرية لأن إلقاء القبض على الإرهابيين أو تصفيتهم لا يكفي ما دام هناك عقيدة منحرفة قائمة، فيجب الموازنة بين الإجراءات الأمنية الخاصة وتحقيق الاعتدال الفكري عن طريق التوعية والتعليم، مع التمييز بين الذين تشكلت لديهم انحرافات فكرية وبين الذين يمكن أن ينتج لديهم انحرافات فكرية، فالحالة الأولى تحتاج إلى معالجة أمنية وعقابية وإعادة تأهيل فكري، أما الثانية وهي الأهم يجب أن تكون وقائية لمنع تحولهم من مجرد فئة متعاطفة فكريا فقط إلى أطراف عمالياتية تنظيمية أو خلايا دعم وإسناد، فالتحدي في هذه الحالة يكمن في عدم القدرة على تحديد عددهم وأماكن انتشارهم بشكل دقيق.

للمساجد دور فعال في التعليم، ولها انعكاس كبير على أفراد المجتمع، خصوصا وأن الجماعات الإرهابية لا تتردد في استخدام القرآن والسنة لتبرير أعمالها
للمساجد دور فعال في التعليم، ولها انعكاس كبير على أفراد المجتمع، خصوصا وأن الجماعات الإرهابية لا تتردد في استخدام القرآن والسنة لتبرير أعمالها

التعليم ينتج القوة العاملة، في إطار الجهود الرامية إلى إشباع تطلعات المواطنين من حيث توفير الهياكل الأساسية الاجتماعية والاقتصادية وإنشاء المؤسسات، وتشمل هذه المؤسسات: المؤسسات العسكرية وشبه العسكرية وباقي المؤسسات المدنية الأخرى. فيجب أن تدار هذه المؤسسات من قبل المتعلمين، فيؤدي أداءها الكفء إلى تعزيز الأمن الوطني لأنه وطن مع أشخاص متعلمين تكون للدولة ثروة من النخب قادرة على صناعة القرار، حل المشكلات والشعور بالمسؤولية وهو ما يسمح بإشراك وإنتاج الإطارات في مجالات متنوعة: الخدمات الاجتماعية؛ الصحافة، التحكم بالتكنولوجيا، والهندسة السياسية، وما إلى ذلك، تختص هذه النخب بالاحتياجات اليومية للمجتمع وإذا فشلوا فإن تهديد الأمن القومي سيكون وشيكا.

التعليم يقوي قدرة الطلاب والباحثين على استغلال هذه المعارف لتحقيق الأهداف الحيوية للدولة، فمثلا يتلقى طلاب المرحلة الثانوية في بريطانيا دروسا في الأمن الإلكتروني في محاولة لإعداد خبراء يدافعون عن بريطانيا ضد الهجمات الإلكترونية في المستقبل، لأن تراجع مستوى المهارات يحد من قدرة البلاد على تطوير دفاعات إلكترونية يمكن الاعتماد عليها حيث تستغل الدولة نوابغ الإعلام الآلي لتوظيفهم في الأمن الإلكتروني في المؤسسات السيادية لحماية البنى التحتية من الاختراق والقيام بأعمال تخريبية للدول المعادية كما حصل مع بعض الدول الغربية التي شنت هجومات إلكترونية عن طريق زرع برامج تجسسية وتخريبية في شبكات الكمبيوتر الإيرانية (فايروس ستاكس نت) لاختراق منشآت لتخصيب اليورانيوم.

نتيجة للعمليات التي يمر بها الفرد للحصول على التعليم، يولي المرء اهتماما أقل للمشاعر الضيقة والبدائية، فالأشخاص المتعلمون تعليما جيدا يتغاضون عن القبلية، والعرق، والتعصب الديني، وهو ما يرجع إلى إدراكهم بقيمة الترابط الاجتماعي في حياة الإنسان ولذلك فإن التعليم السليم يقوي التسامح والسلام والنظام العام الذي يعزز الأمن الوطني.

للبيئة الأسرية تأثيرها على الفرد وتكوين فكره وتشكيل سلوكه، فالأولياء هم الذين يقومون بتنشئة وتربية أولادهم واكتشاف الميولات العدوانية والإرهابية لأفرادها واحتوائها قبل فوات الآوان

يسمح المثقفون من خلال تعليمهم بوجود مجموعة من المفكرين الذين يهتمون بمصير الأمة فيما يتعلق بتنفيذ السياسات، تعزيز الأمن الوطني عن طريق مراكز الدراسات والأبحاث، يتم ذلك بجمع البيانات وتحليلها على نحو واقعي وتقديم رؤى استشرافية وحلول لاحتواء الصراعات والتوترات الاجتماعية ويمكن الباحثين من المشاركة في العمل العقلاني لأنه يثري الفكر الوسطي ويوسع أفق التخطيط الاستراتيجي، فالتعليم والتدريب يحث على العمل الإنساني.

ينتج التعليم مواطنين وطنيين يشعرون بالانتماء والالتزام تجاه الدولة، فالأشخاص المتعلمون يبذلون جهودا من أجل حمايتها داخل الوطن وتقديم صورة إيجابية خارجها.
وللمساجد دور فعال في التعليم، ولها انعكاس كبير على أفراد المجتمع، خصوصا وأن الجماعات الإرهابية لا تتردد في استخدام القرآن والسنة لتبرير أعمالها، واستغلال العواطف الفطرية تجاه الدين، ودور المسجد يكمن في شرح وتفسير النصوص وإبعاد التأويلات والشبهات خاصة المتعلقة بقضايا التكفير والجهاد.

وللبيئة الأسرية تأثيرها على الفرد وتكوين فكره وتشكيل سلوكه، فالأولياء هم الذين يقومون بتنشئة وتربية أولادهم واكتشاف الميولات العدوانية والإرهابية لأفرادها واحتوائها قبل فوات الآوان، فكما يتمرد الابن على الأسرة يمكن أن يتمرد على الجينات القاعدية للمجتمع، فتنطبق عليه مقولة التفكك الأسري زائد الجهل يساوي إرهابي مفترض.
في الاخير لا يمكن بناء مجتمع بلا أمن، ولا أمن بلا علم.