لماذا منع ترامب التشاديين من دخول أمريكا؟

مدونات - ترمب يوقع اتفاقية

مثل وقع الصاعقة تلقى التشاديون نبأ القرار الأمريكي الذي يحظر عليهم دخول الولايات المتحدة، الأمر الذي أثار حفيظة الاستغراب وفتح باب أمام كم هائل من الأسئلة التي تبحث عن أجوبة، فالحكومة التشادية من جانبها أصدرت بيانا رسميا أبدت فيه استياءها مما جرى، فيما استهجن الشعب التشادي القرار الذي جعلهم يشعلون وسائل التواصل الاجتماعي بالتعليقات المنتقدة والمستغربة.

 
ولكن ما هي الأسباب الحقيقية؟ فالحكومة التشادية تعتبر القرار مجحفا، فيما تشير السفيرة الأمريكية لدى تشاد (Geata Pasi) إلى أن المسألة تتعلق بقضايا أمنية لم تتجاوب معها تشاد، وفي كل الأحوال سيبقى السؤال مطروحا. ولكي نقترب أكثر من أصل المسألة لا بد من الرجوع إلى الوراء وأخذ الصورة التي تعطينا الواقع الذي تعيشه تشاد في السنوات الأخيرة.

 
فللوهلة الأولى وعند النظر إلى الموقع الجغرافي لتشاد يدرك المرء أن هذا البلد يعيش حالة من الكفاح الأمني والاقتصادي في محيط إقليمي مثقل بالنزاعات والصراعات الاثنية والسياسية وحتى الأيدلوجية في حالة الحركات الإسلامية المسلحة التي تتبرص بالجميع في هذه المنطقة الساحلية الصحراوية. فمن الحدود الشرقية لتشاد تبرز أزمة دار فور التي أثرت سلبا على المنطقة وأجبرت نحو 200 ألف سوداني إلى النزوح إلى تشاد وما زالوا يعيشون هناك. فيما الجار الشمالي ليبيا البلد الذي دخل في حالة من عدم الاستقرار منذ 2011. وبالانتقال إلى الحدود الجنوبية حيث جمهورية إفريقيا الوسطى التي دخلت هي الأخرى في صراعات داخلية كان أسوأها عام 2013.

 

أما الحدود الغربية مع كل من النيجر ونيجيريا والكاميرون، حيث تلتقي الحدود الرباعية عند بحيرة التشاد، تلك البقعة الحيوية التي اختارتها جماعة بوكو حرام كقاعدة خلفية تشن من خلالها العمليات المسلحة خاصة في مناطق شمال نيجيريا التي فر منها الآلاف نحو تشاد، وإن اختيار جماعة بوكو حرام لهذه المنطقة لم يكن بمحض الصدفة وإنما لثراء المنطقة بالموارد الطبيعية كالنفط والغاز واليورانيوم، تلك الموارد التي تفوح من خلالها رائحة التنافس الدولي وإعادة التموضع، والقصة يعرفها قادة المنطقة والقوى الكبرى أكثر من أي أحد آخر.

  

مداهمة لأحد معاقل جماعة بوكو حرام في تشاد (رويترز)
مداهمة لأحد معاقل جماعة بوكو حرام في تشاد (رويترز)

  

كل هذه الظروف المعقدة جعلت تشاد تقطع على نفسها عهدا بعدم التهاون مع مسألة أمنها القومي في بقعة إقليمية مضطربة كهذه، فقررت ضبط حدودها أولا ثم استعدت لأي عملية عسكرية استباقية تطرأ خارج حدودها إذا تطلب الأمر سواء بمفردها أو بالاشتراك مع غيرها، وهذا ما تمت ترجمته بالفعل في الفترة ما بين 2010-2017، ويتلخص ذلك في الآتي:

 

– في عام 2010 وبهدف سد ثغرة الفوضى الأمنية الحدودية الناجمة عن أزمة دار فور تم إنشاء قوة عسكرية مشتركة تشادية سودانية لضبط الأمن، وقد نجحت في تأمين المناطق الحدودية بين البلدين، ولا تزال تقوم بنفس المهمة حتى وقتنا الراهن. وفي عام 2011 ومع بداية الاقتتال في ليبيا نشرت تشاد الآلاف من جنودها على طول حدودها مع ليبيا للحيلولة دون انتقال السلاح والجماعات المسلحة إلى أراضيها.

 

– في مطلع عام 2013 وعلى ما يبدو كونها حربا استباقية أرسلت تشاد أكثر من 2000 جندي إلى جمهورية مالي لقتال الجماعات الإسلامية المسلحة ومنع الدولة المالية من الانهيار، ولا يزال نحو 1400 جندي تشادي يرابطون هناك ضمن القوات الأممية في مالي. وفي العام ذاته 2013 واثر احتدام الصراع الداخلي في جمهورية إفريقيا الوسطى الجار الجنوبي أرسلت تشاد نحو 900 جندي بهدف بسط الأمن والاستقرار في هذا البلد، إلى جانب مهمة إجلاء التشاديين العالقين هناك، حيث تم إجلاء نحو 100 ألف تشادي إضافة إلى عشرات الآلاف من مواطني إفريقيا الوسطى الذين لجئوا في ذات الوقت إلى داخل الأراضي التشادية، وتطلب الأمر كذلك نشر آلاف الجنود لمراقبة وضبط الأمن على طول المناطق الحدودية الكائنة في بقعة شبه استوائية وعرة.

 

– في 2015 اضطرت تشاد إلى إرسال جنودها إلى كل من النيجر ونيجيريا والكاميرون لمحاربة جماعة بوكو حرام، تلك الجماعة التي تسببت في مقتل الآلاف وتشريد مئات الآلاف خاصة في شمال نيجيريا وقد عبر الكثير منهم الحدود إلى تشاد. وللسيطرة على مثل هذه الأوضاع تم تأسيس قوات مشتركة بين الدول الأربع المطلة على بحيرة التشاد لضمان الأمن والاستقرار في هذه المنطقة الحيوية. 

 

– في يونيو 2017 وبهدف قطع الطريق أمام أي جماعة مسلحة على امتداد منطقة الساحل الأفريقي تم تأسيس قوات عسكرية تضم كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو وموريتانيا إلى جانب تشاد.

 

كل هذه العمليات العسكرية الفردية والمشتركة التي تنصب في إطار الحفاظ على الأمن الداخلي ومحاربة الإرهاب بالدرجة الأولى، كلفت الدولة أكثر من قدراتها الاقتصادية في ظل انخفاض حاد لأسعار البترول الذي تعتمد عليه الدولة بشكل كبير، فأصبحت تشاد في وضع اقتصادي خانق، ومع ذلك كانت ترى أنها أبلت بلاء حسنا في الحفاظ على الأمن الداخلي والمساهمة في استتباب الأمن الإقليمي كذلك في قتالها للجماعات المسلحة، إلا أن ذلك كله لم يشفع لتشاد لدى الإدارة الأمريكية التي فاجأتها وفاجأت الجميع بذلكم القرار. ولا يزال السؤال مطروحا عن السبب الحقيقي وراء قرار الحظر. 

 

الرئيس الفرنسي ماكرون والرئيس التشادي إدريس ديبي (رويترز)
الرئيس الفرنسي ماكرون والرئيس التشادي إدريس ديبي (رويترز)

 

لربما تتعدد الآراء وهذا شيء طبيعي، لكن برأيي فإن المسألة لها خيوط بالصراع الدولي على عموم أفريقيا، والتنافس الخفي بين فرنسا والولايات المتحدة على مناطق الحزام الأفريقي الممتد من جيبوتي شرقا وحتى السنغال غربا، تلك المنطقة التي كانت ترزح ولعقود تحت النفوذ الفرنسي قبل أن تعيد أميركا الحسابات وتعود محاولة إيجاد موطئ قدم هنا بعد زوال الخطر الشيوعي الذي كان يشغلها هناك، ففرنسا كانت لها قواعد عسكرية في عدد من دول المنطقة مثل جيبوتي وكوت ديفوار والجابون وتشاد، وعند شعورها بالزحف الأمريكي زادت من تواجدها العسكري في ذات المنطقة وبحجة محاربة الإرهاب أضافت نحو 4 آلاف جندي إلى قاعدتها العسكرية بتشاد في مهمة جديدة وتحت مسمى جديد، وكذلك الحال في دول أفريقية أخرى.

 

وبنفس شماعة الإرهاب تعاقدت أمريكا عسكريا مع عدد من دول الحزام نفسه بما فيها تشاد وجيبوتي، تلك الأخيرة التي باتت تحتضن كبريات القواعد العسكرية الأمريكية في أفريقيا "أفريكوم". هنا وفي مسألة التعاون الذي تريد الولايات المتحدة أن تتجاوب معه الحكومة التشادية، فإنه يعني تعاونا عسكريا وأمنيا وثيقا يتجاوز الأطر الشكلية البسيطة إلى إطار الحلف الاستراتيجي الذي يتحول مع مرور الوقت إلى قواعد عسكرية أمريكية في هذا البلد الذي يقع جغرافيا في قلب القارة الأفريقية والذي يمكن من خلاله الإطلالة وبسهولة على بقية أقاليم أفريقيا الخمسة، بالإضافة إلى كون تشاد تحتوي على مخزون هائل من النفط والغاز واليورانيوم، ولا ننسى أن الشركات الأمريكية تمتلك نصيب الأسد في عملية انتاج وتصدير النفط التشادي الذي يذهب رأسا إلى الولايات المتحدة منذ 2003.

 

وإذا ما صدق ظني فإن الأمريكان سيسحبون البساط عاجلا أم آجلا من تحت أقدام الفرنسيين، ولا أعتقد أن المسألة ستختصر على تشاد وحدها؛ بل إنما هي عبارة عن رقعة مهمة في منطقة كلها مهمة بالمقاييس السياسية والاقتصادية والعسكرية، والزمن وحده سيجيب على تلك التكهنات.