الغوطة المحاصرة.. "دور أختها في الفطور"

مدونات - الغوطة مجاعة سوريا مأساة أم طفلة

كتب أحد الأساتذة في غوطة دمشق المحاصرة، دخلتُ اليوم إلى الصف وبدأت في الدرس، لكن أثناء الدرس قال الطلاب: والله يا أستاذ لا نستطيع أن نستمر معك أكثر من ذلك بسبب الجوع، ويكتب آخر قائلاً: وصلتْ طفلة إلى نقطة طبية مصابة بحالة إغماء في المدرسة نتيجةَ الجوع، فقال الأطباء لأمها: أطعميها شيئاً قبل ذهابها إلى المدرسة ولو معلقةً من اللبن، فكان جواب الأم اليوم دور أختها في الإفطار ولا أستطيع أن أطعمهما معاً.

 
أكتب لكم هذه الكلمات بأدمعي التي لا أملك سواها لنصرة إخواننا في غوطة الخير المحاصرةُ أستجدي بها أصحاب الضمير الحي -إن وجدو- من أجل أن يتحركوا لفك الحصار عن الأطفال والنساء والشيوخ، الذين لم يترك لهم جيش النظام المجرم مخرجاً إلا الأرض من تحتهم ليُدفنوا بها، والسماء من فوقهم ليرفعوا أكفهم بالتضرع إلى الله عز وجل، وغالباً ما يكون تضرعهم ممزوجاً بأصوات الرصاص والقذائف، وجلجلة البراميل العمياء المحرقة، وصراخ الناس الممتلئ بالخوف والهلع والحزن من الخذلان الدولي لهم، كيف لا وهم الذين عاشوا سبعَ سنوات عجاف لا يشاركهم فيها أحد، وليتها كانت كسنين يوسف لا قتلَ فيها ولا دمار، إنما هي وافرة بفراق الخِل لخليله والحِب لحبيبه والأم لرضيعها، والعصفور الصغير لحناينه -أمه وأبيه- فلا يكاد يوجد بيت إلا وأصبحْتَ ترى فيه صدعَ الفراق، والحزنُ يخيم على كل أسرة تعيش هناك، حيث تخلى عنهم العالم بأسره، وازداد الحزن سواداً حتى أصبح كخيمة كبيرة يتظلل بها أهل غوطتنا، ولا مئذنةَ تصدع لنصرتهم ولا ناقوسَ يُدَق ليوقظَ النائمين، وأصبحت تعاليم الأديان تراثاً للقراءة ليس إلا.

 

تحاصر الغوطة من أعداء خارجيين وأعداء داخليين، ومع اقتراب فصل الشتاء سيزداد الحصار قسوة
تحاصر الغوطة من أعداء خارجيين وأعداء داخليين، ومع اقتراب فصل الشتاء سيزداد الحصار قسوة
  

يا وجعي عليكم يا أهل غوطتي، ويا قلة حيلتي، فلست أملك لكم سوى قلمي المرتجف بين أناملي ليكتب عنكم، وليته يستطيع أن يكتب العبرات التي أوقفته كثيراً عن الكتابة، وجعلته حائراً عن أي الآهات يكتب أولاً، وبأي الصرخات ينادي كي يوصلَ صوتَكم إلى آخر بقعة من هذه الأرض المتصخرة، لعلها تقع معجزة موسى في عصرنا فتنفجر المياه من الحجر الأصم، وكم تجاهل عبارةَ "وما أنت بمسمعٍ من في القبور" وكم تناسى قولَ الشاعر "لقد أسمعتَ لو ناديتَ حياً ولكن لا حياة لمن تنادي" وبقي يكتب منتظراً فسحةَ الأمل التي نعيش عليها ولها.

 
كل بلد تم حصارها حوصرت حصاراً واحداً من الخارج، إلا غوطتنا حوصرت حصارين: حصاراً من العدو الخارجي، وحصاراً من العدو الداخلي، وهم أصحاب الفكر المتعفن الذين يحملون الوزرَ الأكبر في الحصار، لأنهم يقتلون أهلهم وعشيرتهم وأنفسهم بحماقتهم وعنجهيتهم وخلافاتهم، ولا يُلام العدو الخارجي كما يُلامون هم، وإن لم يتوقف الاقتتال فيما بينهم ستكون لعنة دماء الشهداء عليهم إلى يوم الدين، ولعنة التاريخ ستلاحقهم كما ستلاحق طاغيةَ وأعوانَه، وكلَ متخاذل يستطيع أن يقدم شيئاً لأهل الغوطة ولا يفعل، ولكي يزداد الحصار إحكاماً يأتي في هذه الآونة حصار ثالث على الغوطة، لا مفرَ منه ولا خلاص، ألا وهو فصل الشتاء بكل ما فيه من متاعبَ ومشاق، وأهل الشام يعرفون ذلك جيداً، ويعلمون كيف سيصبح حال الناس في هذا الفصل الثقيل عليهم، مما يتطلب منا جهداً مضاعفاً للوقوف في وجه الحصار الغاشم، وكسره بكل ما أوتينا من وسائلَ وطرق.

 
صبراً يا أهل الشام، سيجعل الله بعد عسر يسراً، وستكون شامكم ملاذَ الخائفين وبيتَ المؤمنين والآمنين، وأنتم من قال عنكم النبي: "ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام" وهذا ابن حوالة يقول: يا رسول الله اختر لي فقال عليه الصلاة والسلام: "إني أختار لك الشام؛ فإنه صفوة الله عز وجل من بلاده، وإليه يُحشَر صفوته من عباده، يا أهل اليمن، عليكم بالشام؛ فإنه صفوة الله عز وجل من أرض الشام، وإن الله تكفل بالشام وأهله" فماذا يضر أهلَ الشام بعد أن تكفل بهم رب الأرباب، وما يسوؤهم بعد أن اصطفاهم وأرضَهم، ووعدهم بالأمن والأمان عندما يفقده الناس في كل مكان، فتكون الشام شامةً لكل من أضل السبيل.