الإسلام السياسي بين سذاجة التنظير و محك التنزيل

إسلاميين

مصطلح الإسلام السياسي هو مصطلح إعلامي وأكاديمي، يصف حركات التغيير التي تؤمن بمبدأ أن الإسلام هو ليس دين تعبدي فقط، بل هو دين يحمل في طياته الحلول الاجتماعية والاقتصادية، القادرة على بناء دولة قوية الأركان، مرتكزتا على مبادئ الشريعة الإسلامية، وقواعد السنة النبوية.
 
عرفت هذه الحركات تطورات كثير مند سقوط الخلافة العثمانية وما صاحبه من تغير في البنية السياسية والاجتماعية لدويلات الرجل المريض، انتهت بتقسيمها حسب منطق الغلبة إبان المرحلة الاستعمارية، التي زادت الوضع سوئا، مما أجج نزعات المقاومة على المستويين العسكري والفكري، مقاومة أنتجت منظرين من رواد التغيير أمثال الشيخ محمد ابن عبد الوهاب، والشيخ حسن البنا، والشيخ الندوي، والشيخ ابن باديس، والطاهر ابن عاشور وغيرهم، ممن أمن أن سبيل مواجهة هذا الزحف هو التشبث بالتراث الإسلامي، وإعادة صياغته بما يناسب روح العصر، ومتطلبات الظرفية الحرجة التي كانت تمر بها الأمة آنذاك.
 
أفكار تمركزت في عمومها حول سبل مواجهة العدو، وأطلق فيها العنان للنهل من معين الموروث الديني، بغية استدعاء ما به يغرس الإيمان، ويقوى التشبث بالدين والوطن الواحد، وكلما اشتدت الأزمات والمحن اشتد الارتباط بالماضي، والتطلع لزمن الخلافة من جديد، ذلك أن الناس كانوا يعتبرون ما يمرون به غضب من الله لن يزول إلا بترك المعاصي التي كانت متمثلتا آنذاك في كل ما هو محدث وجديد.
 
كل هذه الأسباب ساهمت بعد مخاض عسير، في نسج علاقة وطيدة بين المسلمين والسياسة بشكلها الحديث، وتصالحهم مع مفاهيمها وقواعدها من قبيل الديمقراطية، والتمثيلية، والأحزاب، بعد أن كانت بالأمس القريب كفرا وإثما عظيما، خصوصا أن قواعد هذه اللعبة دائما ما تصب في صالح التيار الإسلامي، لطبيعة المجتمع المحافظ والمتدين بطبعه.
 
وهو الشيء الذي لم يرق لمختلف التوجهات السياسية الأخرى التي كانت تمسك بزمام السلطة، ليدخل الإسلام السياسي مرحلة من مراحل تكونه المريرة، ألا وهي مرحلة القمع والاستبداد والسجون، انطلقت مع حادث المنشية سنة 1954، كذريعة للزج بقيادات جماعة الإخوان المسلمين في غياهب السجون والمعتقلات، وتمت محاكمة وإعدام البعض منهم.

 

العديد من العوامل ساهمت بشكل جلي في إضعاف التجربة السياسية للإسلاميين في سدة الحكم، كما أن المناخ العالمي والإقليمي السائد ساهم أيضا في هذا التعجيز والتحجيم
العديد من العوامل ساهمت بشكل جلي في إضعاف التجربة السياسية للإسلاميين في سدة الحكم، كما أن المناخ العالمي والإقليمي السائد ساهم أيضا في هذا التعجيز والتحجيم
 

حادثة شكلت مسار الإسلام السياسي من جديد، وأعادت ترسيم معالم الطريق وتسديد الرؤى، وأنا شخصيا أعتبر أن الفكر الإسلامي بعد هذا الحادث ليس هو الذي كان قبله، ويمكننا أن نستشف ذلك بوضوح تام في إصدارات بعض القيادات من أمثال سيد قطب، التي تأثرت بما لا يدع مجالا للشك بمحنة المعتقل والتعذيب وأثار الخيانة من أبناء الوطن الواحد، ولوكان في أخر حياته تبرأ من كل ما قد يفهم خطأ أنها نزعات انتقامية أو تحريضية.
 
وتتوالى المحن بين المنع والمصادرة والسجن، وهو وضع لم تجد معه الجماعات الإسلامية بدا من أن تعرج من جديد على دورها العلمي والأكاديمي في تنوير المجتمع، وترك السياسة إلى أن تدول لهم أسباب التمكين أو يحدث الله أمرا كان مفعولا . وتأتي رياح الربيع العربي بما تشتهيه سفن جماعات التغيير من كل التيارات والمشارب، غير أن المزاج الشعبي اختار الإسلاميين في أغلب الدول كرد اعتبار لسنوات المعاناة ضد سلاطين طغاة، ولا يمكن أن ننكر أن اختيار الإسلاميين، عبر عن رغبة الأغلبية في إصلاح حاضر ومستقبل الأمة بما صلح به أولها.
 

المعرفة التي تتمثل في الرؤية السياسية ذات التوجه الديني ارتقت لأن تكون سلطة، لكن السلطة لم تتحول إلى معرفة وخطة طريق لتحقيق أهداف ومساعي تلك الرؤية

بيد أن الأماني لا تبني الدول والمؤسسات، ولا تنتج الرؤى والإستراتيجيات، وحدها الكفاءة تفعل ذلك، وهو الشيء الذي افتقده كوادر وقيادات، بعضها راوح السجون لتوه، والبعض الأخر لا تتعدى مجمل معارفه قاعة المحاضرات في الجامعة، لا يحدوهم غير الأمل والرغبة في التغيير، بمهارات تسيير الجمعيات الخيرية والدورات التكوينية.

 
العديد من العوامل ساهمت بشكل جلي في إضعاف التجربة السياسية للإسلاميين في سدة الحكم، ويجب الاعتراف أيضا، أن المناخ العالمي والإقليمي السائد ساهم هو أيضا في هذا التعجيز والتحجيم، من قبيل دول شقيقة خشيت أن تقتلع رياح التغيير خيمتها البدوية، فسارعت لتمويل انقلابات، وتأليب الرأي العام عن طريق مرتزقة الإعلام وحرفيي الفضائيات، في ضربات استباقية أتت أكلها في إزاحة الرئيس مرسي في مصر، وتهميش حركة النهضة في تونس، ومحاولات تفكيك العدالة والتنمية في المغرب بأيدي أبناءه ومنتسبيه.
 
المشكلة الحقيقية لدى تيارات الإسلام السياسي في العالم العربي من وجهة نظري، ليس مشكلة قيادات فقط، بل هو فهم واستيعاب خاطئ للدين في المجال السياسي، وقناعات راسخة ترقى لدرجة الإيمان بأن القرآن والسنة كما هما، يحتويان على الحلول الشافية، والخطط الإستراتيجية لأسباب التمكين، ومقومات السيادة بين الأمم، غير أن الواقع يبوح بغير ذلك، فالقرآن هو كلام الله ذو مبادئ عامة، يسع كل زمان ومكان، إن هو استقرأ بأليات وأساليب العصر، والسنة هي تطبيق الرسول صلى الله عليه وسلم لتعاليم الدين بما وافق عصره وساعد على تقدم مجتمعه، أي أنه ينبغي التحلي بالمبادئ العامة للدين الإسلامي، التي هي بالمناسبة مبادئ وأسس البشرية جمعاء، وأن نتناول قضايا عصرنا الحديث بما هو متوفر من أساليب ومفاهيم عالمية، أو إبداع ما هو جديد وجدير بالإضافة للمسار الإنساني التراكمي عبر التاريخ.
 
تتخبط تيارات الإسلام السياسي داخل أطروحة ميشال فوكو، الفيلسوف الفرنسي الشهير، علاقة المعرفة بالسلطة، فالمعرفة التي تتمثل في الرؤية السياسية ذات التوجه الديني ارتقت لأن تكون سلطة، لكن السلطة لم تتحول إلى معرفة وخطة طريق لتحقيق أهداف ومساعي تلك الرؤية.
 
ومنه نستنتج أنه أمام الإسلام السياسي مسار طويل من بلورة للمفاهيم الدينية، وتكييفها مع الواقع المعاش، وهو إصلاح لا يكون بمعزل عن الإصلاح الديني، والتنقيح التراثي لما نملك من حضارة وتاريخ.