معنى أن تكون طبيباً

blogs - Doctor
في الماضي كنت أكتب الشِعر، الآن أنا أكتب الموت، فإنه لا يمضي يومان إلا وأضع إمضائي على شهادة وفاة، الآن لي مع الموت حكاية يومية، فبعد أن كنت أخوض ضماره وأستشرف أسواره متفكراً متأملاً، ها أنا أتلقاه اليوم كوظيفة يومية، لقد أصبحتُ من يومياته المعتادة ومن رموزه المعروفة، حتى يكاد يلقي علي تحية الصباح أحيانا قبل أن يمضي في عمله، أنا صوت طرقه على الأبواب، بصمات أصابعه على الصدور، حفيف تسلله وجريانه بين العروق، هو الشيء الخفي وأنا ظله المضيء، فربما هو طقسه المفضل ونحن نتبتل لقدومه دون أن ندري.

عندما تهرع المعدات الطبية الى المرضى قبل حتى أن تلامسها أيدينا، فهذا البروتوكول أصبح اعتيادياً، ومن تقام له هذه الطقوس يمر بيننا إذ يأتي دون أن نراه، أنا ماذا أعمل؟ أنا حارسه، وظله الذي يتبعه حيثما ذهب، أليس من يكتب شهادة الوفاة حفار قبور أيضاً، ذلك الذي قال عنه جبران خليل جبران: "أيها الرجل ما أقوى ساعديك، لقد دفنت قلبي أيضا"، فأنا لا أدفن شخصاً واحداً إذ أفعل، بل أواري معه آلاف القلوب والدموع والآهات.

مأساة الطبيب الرئيسية أنه يعمل في مآسي الآخرين، قد تكون هذه الجملة هي الأكثر تكراراً في خاطري، فلم يبدو لي الأمر عندما بدأت بممارسة حياتي الطبية بشكل فعلي كما كان عليه عندما كانت الأمراض مجرد حروف بين الكتب قد تنتهي عندما أقلب الصفحة، فكم هو مؤلم أن تراقب عيني أحدهم وأنت تخبره أنه مصاب بداء قد يستمر معه سائر عمره، هذا العمر الذي قد لا يكون طويلاً وقد يستحيل في آخره إلى آلام لا تنتهي وأوجاع قد لا تنفع معها المسكنات.

في مهنة الطب الألم متفوق وجودياً على السعادة، فدمعة واحدة لها أثر عظيم يغالب ألف ابتسامة، تلك الابتسامات القليلة التي تعطينا الجدوى والأمل
في مهنة الطب الألم متفوق وجودياً على السعادة، فدمعة واحدة لها أثر عظيم يغالب ألف ابتسامة، تلك الابتسامات القليلة التي تعطينا الجدوى والأمل
 

وليست المأساة أو التعاسة أقل عندما أجر ذيول الكلام محاولاً أن أقدم الأمل لمريض لا أمل من شفائه، عندما أحاول أن أقنعه بجدوى كل ما نفعله، أتكلم معه وأنا أشاركه ضعف الإنسانية ذاتها، فليس أنا وهو إلا مظهران مختلفان لذات الوجع والضعف والغربة الإنسانية، حتى تكاد أحيانا أن تفلت مني كلمات كاللتي قالها صامويل بيكيت: "أنت على الأرض لا علاج لذلك"، إنه قدر الطبيب وما أصعبه من قدر أن يشارك الجميع في أصعب أحزانهم وأن يكون الشاهد الأول على وجع وضعف الإنسانية.

بعد أن أصبحت طبيباً أصبحت علاقتي بالهاتف متوترة قلقة أكثر مما كانت عليه، فهاتف الطبيب لا يطلبه أحد إلا لشكوى مرضية أو مشورة طبية أو مصيبة على وشك الحدوث، فإذا ما رأيت اسم أحد أقاربي أو معارفي على شاشة الهاتف أخذت بي الظنون ورحت أتذكر كل كبار السن متوجساً خيفة من نازلة ألمّت بهم أو حادث وقع لهم، وكم يكون الأمر مريباً إذا كان هذا الاتصال بعد منتصف الليل حينها تكون لحظات ما قبل فتح الخط لحظات عصيبة ومريبة جداً.

أن تكون طبيباً يعني أن تكون أول من يتنبأ بالمصائب قبل حدوثها، أنت المضيف العائلي والاجتماعي لرسائل القدر التي تأتي تباعاً بأن أحدهم على وشك الرحيل عن هذه الدنيا، تعرف إذ لا يعرفون، تحزن، تخاف، تتوقع، ترى آلاماً وأوجاعاً في طريقها لأحدهم، ولديك أنت فقط كل محطات الرحلة الكئيبة التي سوف يخوضها آخر بين الفحوصات المخبرية والإشعاعية ثم يأتي يوم تصبح فيه أنت أيضاً أحد رموز هذه الرحلة فسوف يرتبط اسمك لديه بالذكريات الصعبة واللحظات المريرة. 

في النهاية لا يحملنا كل ذلك على إغفال الجانب المشرق والمضيء من مهنة الطبيب، لكن الألم متفوق وجودياً على السعادة، فدمعة واحدة لها أثر عظيم يغالب ألف ابتسامة، تلك الابتسامات القليلة التي تعطينا الجدوى والأمل.
هذا ما كنت أود كتابته وما زال يختلج في صدري، وكما يقال: عذر من عذر وعذل من عذل!