واقع مشكلات إعلام الطفل في العالم العربي

تعتبر مجلة ماجد للأطفال التي تصدر من الإمارات هي الأولى على مستوى العالم العربي إذ هي الآن على وشك الدخول إلى عامها الأربعين دون توقف ولو لعدد واحد، والسبب في ذلك بأنها تصدر عن مؤسسة الإمارات للإعلام وهي هيئة حكومية تمتلك المال والكادر وكل ما يخطر على البال من الإمكانيات. أربعون عاما من العمر يمكن أن يكون لمجلة ماجد إمبراطورية إعلامية وترفيهية للطفولة مقارنة بما تملك من الإمكانيات المادية، والرصيد الجماهيري العريض في العالم العربي.

 

منذ عامين أطلقت قناة ماجد للأطفال.. شخصيات ماجد التي عرفناها قبل 30 عام نراها اليوم على الشاشة، لكن هذه الشخصيات على رغم الحب الكبير لها من قطاع عريض في العالم العربي ممن هم الآن في مصاف الرجال ناهيك عن الأطفال، فهي في هذه البرامج لم تلبي طموح الطفل من مجالات نفسية وتربوية وتقنية، كجودة الصورة، وحركاتها، ومواكبة الجودة العالمية في إنتاج أفلام الكرتون، ويمكن للمشاهد العادي أن يستنتج هذا بمشاهدة بسيطة لأفلام ديزني ومقارنتها مع برامج القناة!

 

أيضا القناة تعرض من ضمن السلسلة البرامجية لها أفلام كرتونية لشركات أجنبية كديزني.. وللعلم فهي تدفع مقابل عرض هذه الأعمال ملايين الدولارات كحقوق لشركة ديزني وغيرها، فلماذا هذه الملايين من الدولارات لا تتجه لنتاجات عربية تنبع من ثقافتنا وهويتنا، وتواكب التطور العالمي في مجال رسوم الأطفال وأفلام الكرتون؟

 

إذ لو وقفنا مع أنفسنا قليلا، فهناك تجارب عربية فردية في هذا المجال، حيث تم إنتاج فيلم "حلم الزيتون" بالمواصفات العالمية تماما، وبمبلغ 2 مليون دولار، مع أن نفس الفيلم من حيث المواصفات في ديزني ينتج بمائة مليون دولار.. (للتأكد ادخل محرك البحث جوجل، وسجل: مقابلة أسامة خليفة في برنامج بلا حدود على الجزيرة).. فأين يكمن الخلل إذن؟

 

 

إن المتأمل لواقع إعلام الطفولة العربي (مجلات الأطفال أنموذج)، سيخرج بنتائج عديدة أهمها منها أن المسؤولين في هذه المجلات لا يمتون إلى الطفولة وعلم التربية والنمو بشيء
 

ومن منحى آخر.. لماذا اختفت العشرات من مجلات الأطفال في العالم العربي، إذ أن بعض هذه المجلات ظلت تصدر لسنوات عديدة مثل مجلة باسم السعودية؟ جاءت الإجابات من الكثير ممن يشتغلون في المجال الإعلامي للأطفال بحسب استطلاع سابق، بأن المال، وغياب الموارد هي العائق الرئيسي في إنتاجات عربية مواكبة للتطورات العالمية، ومن ثقافتنا العربية والإسلامية.. لكن ماذا عن تلك المؤسسات التي تمتلك الموارد الضخمة وهي ما زالت في مؤخرة الركب للتجارب العالمية في إعلام الطفولة (نموذج الإمارات للإعلام)؟

 

إن المتأمل لواقع إعلام الطفولة العربي (مجلات الأطفال أنموذج)، سيخرج بنتائج عديدة أهمها:
أولا: بأن كل مجلات الأطفال العربية تصدر عن هيئات حكومية أو جمعيات ومؤسسات خيرية أو مراكز دراسات وبحوث جعلت هذه المجلة في هامش أعمالها، أو كطعم تستجلب بها الدعم من الجهات الأجنبية العالمية المانحة!

 

ثانيا: في الجهات الرسمية كوزارات التربية والثقافة والإعلام في العالم العربي، من يتولى منصب إدارة أقسام الطفولة ونتاجاتها في هذه الجهات لا يمتون للطفولة بشيء، ولا يعرفون في علم نفس النمو أدنى معلومة (في الأغلب).

 

ثالثا: من يشتغلون في هذه الجهات والمؤسسات ككتاب، ورسامين، ومربين، وغيرهم ممن لهم دراية بما تعنيه مرحلة الطفولة، وما يمثله الإعلام بوسائله المختلفة والجذابة من وسيلة تربوية مؤثرة، اختزلت كل همومهم بمدافعة كيف يعمل على أن ترضى الجهة الراعية للمجلة حتى لا يمكن لجرة قلم من وزير أو تغيير حكومي أو مزاج لرئيس هيئة أو جمعية أن يوقف هذه المجلة لأنه رأى بأنها أصبحت عبء ثقيلا على المؤسسة التي تصدر عنها! وحتى لا يفقد هذا الكاتب أو الرسام بتوقفها مصدرا للرزق يقتات منه مع أسرته ليواجه به مصاعب الحياة وتقلباتها.

 

وفي أحيان يكون العجز الضارب بأطنابه في دواخل هؤلاء الكتاب أو الرسامين هو سيد الموقف، إذ ليس عنده أدنى هدف يذكر غير حصوله على حقوقه، ولا يهم بعدها ماذا يصير! لذلك وبعيدا عن نظرية المؤامرة علينا من أعدائنا، فإن العدو لم يتسلط علينا إلا بعد أن أنهدم الحصن الداخلي عندنا، وتنكبنا لسنن الله في الكون التي لا تتبدل ولا تتغير. فالمسؤولية تقع في المقام الأول ليس على الحكومات، أو المؤسسات التي تتولى هذه الأعمال، وإنما على الكتاب والرسامين والمتخصصين في أدب الأطفال، فهم المسؤولون بدرجة أولى عن الواقع الحاصل: إذ رضوا بأن يعيشوا في الظل بعيدا عن معمعة المعركة، وصناعة القرار، بحجة أن العمل للطفولة وإعلامها رسالة لا يجب أن تتلطخ بالسياسة ودهاليزها، في الحين أن كثيرا من المشاريع المتعثرة كانت تحت ضغط رد فعل سياسي بدرجة أولى.

 

 

ومن جهة أخرى يجب إدراك بأن أي عمل لا يخضع لدراسة متأنية للواقع، ووضع خطة إستراتيجية مستقبلية تستشرف المستقبل وتعمل على التنبؤ بمثل هذه المشكلات، فهي إلى الفشل أقرب من أول لحظة للقرار بإنشائها، وخاصة عندما يكون الهدف تغييرا لواقع، فاعتماد الدعم الحكومي أو الخيري دون إستراتيجية واضحة خطأ فادح، إذ بتوقف هذا الدعم يتوقف المشروع، لذلك فغياب الخطة الإستراتيجية أو نقصها وإغفالها لجوانب مهمة منها، هو الذي أوقعنا في هذه المشكلات، إذ لو كان هناك خطة شاملة مدروسة بعناية تجعل من بناء القسم التجاري التسويقي من أول يوم لقرار صدور أي مجلة أو وسيلة إعلامية، فلن تتوقف لمشكلة غياب الدعم، وستواصل السير بما تملكه من مقومات عملت على تحققها من سنوات ماضية على الواقع، ولن تخضع بذلك لأي ابتزاز سياسي أو غيره من أي طرف يريد عرقلتها.

 

وقد يقول قائل: هذه الأعمال يجب ألا تخضع للهدف المالي لأنها مشاريع تهدف لبناء أمة، وأنا أقول: ومن قال لنا بأن المال لا يوظف لمثل هذه الأعمال؟ ألم يكن المال هو من جعلها تتوقف؟ وأيهما أفضل أن نجلس مكتوفي الأيدي نستسلم للواقع، أو ننتظر المعجزات لتحل مشاكلنا، أو أن نصنع نحن مصادر للدعم حتى لا نخضع لأي طرف يوقف مسيرتنا؟

 

إحدى التجارب أثبتت أن بناء قسم تسويقي من أول يوم لوضع خطة المجلة، سيوفر الكثير من النفقات الكبيرة ولن يضطر إارة المجلة لرفع سعرها

وكدليل فعلي على وجود حلول مجربة وواقعية للمشكلات المالية عند المؤسسات التي تصدر مجلات الأطفال أو المتخصصة في إعلام الطفولة، والحيلولة دون إيقافها لأسباب مالية، فقبل عشر سنوات، في اجتماع ضم أعضاء مجلس إدارة مؤسسة كانت تصدر مجلة للأطفال، وكان هذا الاجتماع مخصص لمناقشة أمور المجلة وكيفية الارتقاء بها، إذ أنها تعاني من التدهور في عدة مجالات مع أن لها سنوات كثيرة من الصدور آنذاك.. كان من بين أعضاء الإدارة رجل من أصحاب رؤوس الأموال الناجحين في البلد، وهو أيضا مستشار في إدارة المجلة، ولديه معرفة كبيرة بأدب الطفل وأهمية دور المجلة والإعلام في التوعية والتربية..

 

فبعد مناقشة مستفيضة اقترح هذا الشاب التاجر كحل: أن يستلم هو إدارة المجلة كاملة، وسيعمل على الخروج بها من هذه المشاكل التي نوقشت، فكان من بين الخطوات التي سيتخذها حيال ذلك :بأنه سيقوم بتطوير إخراج المجلة ومواضيعها بشكل ملفت، وسيرفع سعرها إلى ثلاثة أضعاف سعرها الحالي، وسيرفع نسبة توزيعها بقوة وسيضمن لهم أن يحقق منها إيرادات كبيرة جدا: من مبيعات المجلة ومن الإعلانات التجارية التي فيها، وسيعطي ضمانات على ذلك. ومن المعلوم بأن هذا الرجل له شركة، ويرأس مجلس إدارة شركة أخرى، وأيضا له علم بأساليب التربية وما يؤثر فيها لدى الأطفال، لذلك فكلامه محسوب بدقة عالية فيما يخص الربح والخسارة، وفيما يخص الجوانب النفسية عند الطفل.

 

تجربة أخرى: إحدى المؤسسات كانت تصدر مجلة متخصصة، ومن أول يوم لوضع خطة المجلة أسس قسم التسويق فيها، ففي يوم من الأيام رأيت إحدى المكتبات توزع عدد الشهر مجانا.. لم تروق لي الفكرة من نواحي تسويقية مستقبلية، فتواصلت مع رئيس التحرير مالك المؤسسة فقال: نحن لا نحتاج إلى المبيعات فالإعلانات تغطي كل النفقات مع أرباح كبيرة.. ربما سيكون الانتقاد الآن عن تأثير الإعلانات على الأطفال، ومدى الضرر الذي تحدثه في نفسية الطفل.. فهذه المشكلة لها حل.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة