كلكم في النار.. أنا وحدي في الجنة!

قد يبدو العنوان هكذا غريبًا، ويفسره الناس كيفما يريدون، لكنّ الأكثر غرابة بطبيعة الحال هو نحن، العنوانُ هذا ليس مجرد طريقةٍ أجذب اهتمامك بها لتقرأ، ليس هذا الذي يهمني في الحقيقة بقدرِ اهتمامي بأن تُنهي هذه التدوينة وأنت تعاهدُ نفسك بالتغيير والإصلاح، إن العنوان انعكاسٌ داخلي للكثير من التصرفات التي لا نكفّ عن فعلها دون أدنى شعورٍ منّا، عن الغرور الكبير الذي نظنّ نفسنا بهِ أصلحَ الناس، رغمَ أنّا نفتقرُ للكثيرِ حتى نصبحَ هكذا.
         
هل يبدو الأمر معقدًا؟ ربما يبدو كذلك، ولربما لم تستطع فهم الذي أريدُه من وراء جملة صغيرة كهذه مليئة بالمعاني، إن كلّ ما فعلتهُ هو الدخول لعمقٍ بعيدٍ فينا، المكانُ الذي نظنّ نفسنا ملائكة بهِ ولا نتوقف عن إطلاق الأحكام على غيرنا بِه! ما الذي ستأخذهُ إن استمرّ الغرور بِك؟ وأنت تعلمُ علم اليقين أن كلّ ابن آدم خطّاء! هؤلاء الذين يقعون فيما يفعلون ويُكشف أمرهم، الذين تستمرّ بإعطائهم نظرات الازدراء والتحقير غير المنتهية، وقد حكمتَ عليهم بالخلود في الجحيمِ دون أدنى تصريحٍ لك لاستلام هذه المهمة الربانية، ونسيتَ حقًا أن خير الخطائين التوابون، وأن التوبة تُلغي الذنب إن كانت صادقة ولا يبعثُ الله لكَ وحيًا يقولُ أن فُلان قد تاب، هذهِ الأمورُ يعرفها الله وحده، فما الذي تريدُه أنت تحديدًا بمراقبتك وانشغالك بها؟
           
نحنُ البشر اليوم لا نبحثُ عما يفيدنا أبدًا، إن جلّ ما نبحثُ عنه سجلّات أعمال الآخرين، البحثُ عن شيء يقودُ شعورنا لوضع هالة ملائكية صفراء فوق رؤوسنا، وتركيبِ قرنين من قرونِ الشياطين أمام كلّ الذين نقابلهم، وترديد هذه الجملة بانتصار، أنا في الجنة، كلهم في النار! عرفت ما أريد قوله لك الآن؟ يجبُ أن نكفّ حقًا عن إلقاء أصابع الاتهام لمن حولنا حتى إن بدا الخطأ منهم واضحًا، نحنُ ننكرُ وجوده ولا نحبّه، أعرفُ ذلك، لكنّ ملاحقتهم إلى يومِ تكتبُ آجالهم بما عملوا لن يزيد من حسناتنا شيئًا، ولن يقذفهم الله في النار بعد حُكمنا الذي لا يُسمنُ ولا يُغني من جوع.
               
نحنُ لسنا مخوّلين البتّة للحكم على الآخرين، ولو أنّا منذُ البداية انشغلنا بإصلاحِ أنفسنا وتنقيتها من أي شائب، ما وجدنا الوقت في الأصل للنظرِ فيما يفعل الآخرون

 

من يدري؟ ربّما تقفُ أنت اليوم تظنّ نفسك مخلدًا بالجنة رغم كلّ ما تفعلُ في الخفاءِ وتبرره لنفسك بحجج لا قيمة لها، وغدًا تقعُ في شباكِ الأحاديث محاولًا تصحيح صورتك التي هُزّت ولا تعرفُ كيف بعدما أطلق الحكم الأخير عليك، أنك في النار. من يدري؟ ربّما هذا الذي قُلت عنه صاحب الخطأ الذي خُلّد في نار عقلك الضيق يتوبُ اليوم، ويصبحُ في جنّة الله غدًا! قال الله تعالى في سورة النور "إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ" هو عند الله عظيم!

                      
كفّوا عن تقمّص دور الرفيق الأعلى، واعلموا أن الله لم يكُن ليخلق التوبة لو أن سيئة واحدة تستطيعُ قذفنا إلى الجحيم، ولم يكن ليبدلَ سيئاتنا حسناتٍ في كل خير نفعله، نحنُ لسنا مخوّلين البتّة لهذا الشأن، ولو أنّا منذُ البداية انشغلنا بإصلاحِ أنفسنا وتنقيتها من أي شائب وقعت به ما وجدنا الوقت في الأصل للنظرِ فيما يفعل الآخرون، لقد قيل "‏لا تكن كمن يفتش عن أخطاء الآخرين وكأنه يبحث عن كنز، وأن التغافل عن أخطاء الآخرين أرقى شيم المكارم" وأنت بالفعل لا تبحثُ عن كنز، ولا يعود ذلك في شيء لك إلا إرضاء غرورك واحتفالك بانتصارٍ صغيرٍ لكَ بينك وبين نفسك، وأما بينك وبين الله فهذهِ هزيمة، أكبر الهزائم!
          
كفّوا عن ملاحقة سجلّات أفعال الناس، ولا حتّى تسجيلها في عقولكم، لقد كلّف الله ملكين من عنده لهذه المهمّة، ونحنُ البشر في اختبارٍ ليوم الدين بوجودهما، إما نُفلحُ لأنفسنا، وإما نخسر أشدّ الخسارة، بكلّ أسف، ولا تعودّ إلا علينا. حديثُ الرسول صلى الله عليه وسلم حيثُ قال بطريقة استفهاميةٍ إنكاريةٍ لوحده كان كافيًا عن كلّ ما كُتب، أتعرفُ ما قال؟ لقد قال "وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو هل على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم!".


المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة