فضفضة على عتبة الحياة

في مصرٍ منكود يعجُّ بالتخلف، ويضج بالعبثيةِ، ويغصُّ بالغباوة أعيشُ مُهمشاً على أطراف اللخبطة، لا يُعنيني القيامُ بدورٍ إيجابي في أيٍ من الخبل الدائرة رُحاه باستدامة وهِمة على هذه الأرض، إنما أعيشُ فقط بدوافع ثُنائية كالفضول والتأملِ، والمُدارسة والتدبُر، والمطالعةِ والتنظير.
        
عازفاً عن جسد المُجتمع المُهترئ وأغلال تقاليده البالية وأعرافه البائدة تنثال كلماتي من جوفي دافقةً لا تحمل غير إثارة مما في ضميري لأنني لم أكتبها إلا تحت تأثير التعجُّل. لست أتفحص شخصي أو أصارع روحى فى غرفة مظلمة مُحدودباً أمام شاشة. الآن تملَّصت روحي من كل الرغبات غير واحدة، هي أن أُعبِّر عن نفسي، أن أُجاهِرَ بما يعتملُ فيها، أن أقول ما أريدُ تحدياً لكل ما في هذه الدنيا من خَرَس.
   
كم يكونُ بديعاً أن تنساب الكلمات من بين شفتيّ سراعاً على صحيفةٍ ثم تعدو من الصحيفة وقد تجسدت فى ظل الخيال منطلقةً إلى عنان السماء تجوب الدنيا تصحبُها روحي الهائمة. كانت لي أحلامي، وكنت أرى الدنيا في أحلامي جميلةٌ حيةٌ بالخير، ومشرقةٌ بالحرية، ومُزّينةٌ بالفضائلِ، وعامرةٌ بالأنوار، حتى لقد استقر في وهمي أن ما نُسميه أحلاماً ليس إلا شبه الحقيقة وبُشرى الحقيقة وصورة مُصغَّرةٌ لها. ومع هذا كان أشد جزعي لمّا صحوت، كان أبلغ روعي في تلك اللحظةِ القصيرة الخاطفة التي هوى فيها على عنقي ذلك الجلاد القاسي المُسمى زوراً "بالواقع" فهشَّم سعادتي وأثقل كاهلي بالهموم والغموم.
         
المعرفة هي هبة الله للبشر ليدفعوا عنهم سأم الحياة وضجرها وليُوسعوا آفاق مداركهم حتى يتسنى لهم وضع أقدامهم علي أول الطريق

       

أما حالياً، أجِدُني على وشك تحطيم كل شيءٍ حولي وتمزيقه. لقد جئت هنا نتيجة خطأ، لا في هذا السجن المُتوَّج بالتوافهِ، والمُغرِق أهله في الضغائن والنفاق على وجه التخصيص بل في هذه الدنيا الكريهة المُرقطة التى ليست في حقيقتها سوى الفجيعة والرعب والجنون والخطأ. أجل، لقد خَبِرتُ الدنيا ذلك النهرُ الرتيبِ المليلِ وأبصرتُ حقيقة لونها فولَّت نُضرتها وضاع بهائُها وزال عنها الهدوء المُقيم.

باتت في عيني أكثر فوضوية وأعظم عبثاً من ذي قبل بالُرغم من احتفاظ كل تفصيله فيها بانسجامها الظاهري، ولم يعد هُنالك معني لأي شيء وأمست المعيارية هي السمة الغالبة على أحداثها ومع ذلك لم أجد الحياةُ خاليةً من بواعثِ السرور! تقرَّر لدي أن الناس جميعاً في حمأة البلايا يتردون فلبثتُ حيناً ساكناً أتساءل عمّا أحب أن يؤول إليه أمري، وعندئذٍ فحسب تنبهت شيئاً فشيئاً إلي أعظم حقيقة يُهتدي إليها، إن تحصيل السعادة لهو أسمى غاية لوجودنا كبشر وإن الرجُل الكَدوُد الذي يشق عليه هذا المسعي لهو في أرفعِ مسرَّةٍ وأن نعمة مُخادنةُ الحكمة لهي أليقُِ جِوار.
          
وكفى بعلوِ الإدراكِ ذِكراً إمساك الفرد بتلابيب الجهل، فالشقاوة في غير العلمِ مضرّةٌ، فأكثروا منه تفيدوا وتباطأوا في ركبهِ تحيدوا، فالغفلة مثارُ السقطة والإنسان إذا جهل واقعه وتاريخه كان ميتاً بين الأحياء. فالمعرفة هي هبة الله للبشر ليدفعوا عنهم سأم الحياة وضجرها وليُوسعوا آفاق مداركهم حتى يتسنى لهم وضع أقدامهم علي أول الطريق إذا أرادوا فهماً جيداً لما يُحوطهم واستجلاءاً لمُستقبلٍ حفّته الغيوم.
     
قاربتُ على إتمام ربع قرنٍ ولا زلت أمام نفسي كطفلٍ حابٍ ينقصه الكثير حتي يعرف نفسه ويعي تاريخه ويُنمي عقله ويفطن جوهر ديانته وهذا هو عين المطلوب، فالمعرفة طريقٌ للسعادة ومرُشد لها ف "ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعمُ" هاكم طريقٌ واحدٌ لتحصيل السعادة وبلوغ عتبتها والبقية تتبع، فهل يفلح مسعى العشريني الحالم لبلوغ الهناءة ورغد العيش أم تراني كقُرنائي من الشباب الذين لفحهم وهج واقعهم المرير فأقعدهم ينتظرهم مُستقبلٌ من الشتات وضياع الأمر ودفع ثمن عدم الخبرة وتحمل جرائر الغير؟


المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة