غِشاءُ العار

عُرفٌ جرى ويجري في قَعْرِ الْعقول المتصحرة، وفتياتٍ بعمر الورد يغتسلُ القيّمُ عليها بدمها وهو يلفظُ أنفاس الثّأر لكي يرفع يديه في وجه الأعراف قائلًا: إنني غسلتُ شرفي فلا تشيحوا بوجوهكم عني.

 

في عمر الورد تتعطش لأن تصبح أمًّا وتتوقُ إلى أن يوقظها ابنها لكي ينام بجانبها، فتنظر في الموانع فلا تجد عن يمينها إلا أبًا يريد أن يلقيها وهي تغرق في حيضها الأول إلى أول عريس يجيء، فتأبى روحها، وتنظرُ عن يسارها فتجد أخًا مشغولًا بخليلاته وقد أغمض المجتمع عينه عنه وجحظ عيونه عليها مراقبًا إياها آناء الليل وأطراف النهار.

 

ثم تُيممُ وجهها شطر أمها فتلقاها تدعو الله أن يرزق ابنتها رُطبًا من الزّواج والأم لا تتجرأ أن تهز نخلة المشاورة مع ابنتها إن كان هنالك من يهواها وتهواه، فتعالا نجمع بينكما على طريق النبي محمد عليه الصلاة السّلام الذي قال: "ما رأيت للمتحابين إلا النكاح" ولم يقل ما رأيت للمتحابين إلا كاتم الصوت أو اتهام النفوس الخبيثة.

 

نحتاج أن نعلن أمام الإنسانية أن ميل الفتاة نحو شاب إنما هي الفطرة التي اتقدت بقلبها وانطفأت بقلب الْعُرف المتخلف

في عمر الورد تاقت روحها وتعطشت نفسها لكي تجد من يبرّد قلبها، فتوارى الشّاب بها مُحاطًا بكل الأعراف التي تجعل منه "الزلمة ما يعيبه إلا جيبته"، وتمنحُ الأعرافُ هذا الشّاب صكّ براءة لكونها تحمل وزر خطيئتها الأولى تلك التي أخرجتك من الجنة، فيجب عليك أن تأخذ بالثّأر الأول فتخرجها من أنوثتها بمواعيد تذروها الرّياح.

 

فعندما جاءت إليك وهي تنظر إلى الحلقتين اللتين ستحيطان بأصابعكما ذات مساء عائليّ أنيق ما كان خطأ الشاب إلا لَممًا يحتاج إلى بعض شعرات تنمو على أطراف وجهه ودشداشة تتضاءل بفعل الغسيل المتكرر حرصا على نظافة الثياب وإن كان العقل صدءًا، ويحتاج الأمر في زمن وسائل التواصل إلى صورة سِلْفي على مقربة من مقام إبراهيم حتى تستوي التّوبة التي تَجبُّ ما قبلها إن كان هنالك من شيء قبلها في مخيال الأعراف، أما الفتاة فلا قدرة على إطلاق اللحية، حتى وإن تابت فإن المجتمع يعلنها أن توبتها بالدم لا بالماء لأن الماء مذكر ولا يجوز الاختلاط بينهما.

نحتاج أن نعلن أمام الإنسانية أن ميل الفتاة نحو شاب إنما هي الفطرة التي اتقدت في قلبها وانطفأت في قلب الْعُرف المتخلف، وأن الفتاة التي زلّ بها شابٌ على جانب الطريق إنما كان بسبب شاخصات المجتمع الذي أعطاه الحصانة منذ أن قال لها ذات زمانٍ أغبر: "اخرسي، يظل أخوك!"

الشّرف هو شرف العقل الذي يبني مفاهيم جديدة تؤسس لبيوت تُبنى بلا عُقد مزاجية، والأخ والأب أعوان للفتاة لكي تكون هي، لا أعوان للأعراف عليها

 

نحتاج أن نعيد تنظيف مفهوم الشرف بأنه مرتبط في علوّه بالذكر والأنثى على حد سواء إن قدموا للإنسانية مشعل نور في أي مجالات الحياة، ومفهوم الشّرف في هبوطه مرتبط بالشاب والفتاة على حد سواء إن كانا قد مسّا الإنسان بضرٍ مهما كان نوعه أو شكله.

 

كلما كانت الأمة قيدومةً في ركب الحضارات كان شَرَفُها في تخثّر دم العقل لأنه لم يُستخدم، وكلما كانت الأمة حبيسة فتاوى فقه دورات المياه فسيرتبط شرفها بسؤال صارخ هل سيتزوجها بعد أن اغتصبها أم لا؟

                                                                                    

المضي إلى المدارس والبيوت والإعلام بأنواعه وإغراقهم بأن الشّرف هو شرف العقل الذي يبني مفاهيم جديدة تؤسس لبيوت تُبنى بلا عُقد مزاجية، وأن الأخ والأب أعوان للفتاة لكي تكون هي، لا أعوان للأعراف أن تكون هي. أنقل ما تقدم وأنا ألتقي في مكتبي للاستشارات شبابًا في عمر النّرجس يندبون تلك اللحظة التي أخطأوا فيها عندما أراقوا دماء أخواتهم وبناتهم لأنهنّ كنّ نتيجة أخ أو عم أو أب أو خال لم ينفضوا الغبار عن عقولهم فتطاير على عيونهم فأعمى البصيرة قبل البصر.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أقر مجلس النواب الأميركي عقوبات جديدة على حزب الله اللبناني في تصويت جرى أمس الأربعاء دون معارضة، يعقبه تصويت المجلس اليوم على مشروع قانون آخر لفرض عقوبات إضافية على إيران.

قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، بهرام قاسمي، إن على الرياض أن تجد حلولا لأزماتها الداخلية والإقليمية تحفظ من خلالها ماء وجهها بدل الانبهار المفرط بسياسات واشنطن العدائية ضد ايران.

الأكثر قراءة