المتاهة اليعربية

منذ أيام عصفت وسائل التواصل الاجتماعي بالترحيب بموقف السيد مرزوق الغانم في مؤتمر  برلمانيي العالم ضد الوفد الإسرائيلي، وكان ذلك بعد طرح موضوع البرلمانيين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، وهنا أؤكد على الاحتفاء بهذا الموقف الذي أصبح نادرا من اليعربيين هذه الأيام، كما أن رسالة الشيخ صباح أمير الكويت المُثنية على موقف الغانم تستحق إحتفاء أكبر لأنها تؤكد على موقف الكويت التاريخي من الشعب الفلسطيني، وهذا الموقف يستحق تكرار الإشادة، خاصة أن الكويت الدولة الرائدة في العالم العربي على صغر حجمها كانت حاضنة الثورة الفلسطينية بشقها الوطني ممثلا في فتح وشقها الإسلامي ممثلا في حماس.

 

لكن الأحداث المأساوية التي صاحبت احتلال الكويت والتحرك العسكري الأميركي لتحرير الكويت وتحطيم الجيش العراقي خلقت فيها نوعا من الردة عن قضايا العروبة وخاصة فيما يتعلق بقضية فلسطين، وكانت مواقف القيادة الفلسطينية آنذاك التي بدت متحيزة للعراق مستفزة للشعب الكويتي الذي شعر بأنه طُعِن في الظهر بغض النظر عن التفاصيل، وظهر هذا واضحا في تصرفات ثأرية ضد بعض الفلسطينيين الأبرياء الموجودين في الكويت، وعانى منها كثيرون لدرجة أن كاتبا فلسطينيا كتب خلال أزمة الكويت مجموعة من المقالات المؤيدة للشعب الكويتي والناقدة لموقف القيادة الفلسطينية آنذاك، وكانت من أبلغ المقالات التي قرأتها في تأييد الحق الكويتي، لكنه خلال عمليات الثأر التي تلت التحرير تم ترحيله عن الكويت والتفريق بينه وبين زوجته الكويتية الأديبة المشهورة ليلى العثمان، وقد روت ذلك في أحد كتبها، يضاف إلى ذلك مواقف بعض النواب الكويتيين ضد زيارة الشيخ أحمد ياسين للكويت، وتفاعلات بالغة السلبية أيضا واجهت فيصل الحسيني رحمه الله في زيارته للكويت أيضا.

 

لست في معرض إثارة النعرات القبلية ولكن هذا سبب آخر يدفعني إلى التفاؤل، فموقف الغانم وثناء الشيخ صباح عليه يدل على أن صفحة سوداء بين الشعبين قد طويت، وأن أصالة الشعب الكويتي قد عادت لتحكم الموقف، كما أثبتت أن العرب مهما وجدوا على أنفسهم من بعض المنظمات الفلسطينية فإن قضية فلسطين تبقي القضية المركزية للمسلمين والعرب، وأخيرا فإن سببا آخر يجعلني أحتفي بالموقف الكويتي، وهو أن هذا الموقف يدل على أن الكويت ستبقى بعيدة عن أجواء التطبيع مع إسرائيل التي يقال إنها تهبّ على كثير من العواصم العربية.

  

أؤكد موقف الأمير صباح والشيخ الغانم يستحق كل الحفاوة، ولكن بعد ما سبق فإنني رأيت من التعليقات في الكثير من المواقف ما يدل على حالة التوهان العربي، وسأستعرض بعض ما قرأت من تعليقات غير مرحبة، وموقفي هو أنك لا تحاكم كل إنسان جملة وإنما تشجع ما يستحق التشجيع وتنقد ما يستحق النقد، وأتذكر هنا بيت الشعر الذي يقول:

 

وكم من الناس ترضى سجاياه كلها

كفى المرء نبلا أن تعد معايبه

  

   مرزوق الغانم.. عاصفة كويتية تجتاح إسرائيل 

 

من التعليقات ما أرى هنا التمثيل به:

كاتب سعودي قال إن ما حصل يؤكد نظرية الشيخ عبد الله القصيمي عن العرب: العرب ظاهرة صوتية، يقول ما الفائدة من هبّة صوتية وإسرائيل تتمدد جغرافيا على حسابنا بينما يخرج وفدها من منتدى برلماني، مَن الكاسب؟

 

قارئ قال إن الغانم أراد تقليد أردوغان في موقفه من دافوس ليكسب الشهرة، وعقّب أين الثرى من الثريا؟!، كاتب آخر أعاد التذكير بحكاية أردوغان في دافوس مُذكّرا بالتراجعات التركية في مجال العلاقات مع إسرائيل، فقد عادت العلاقات الصهيونية الأردوغانية إلى سابق عهدها في السياسة وفي الاقتصاد.

 

مُعلّق آخر ذكّر بعلاقات الغانم ومؤسساته الاقتصادية بآل بوش في أميركا، وتصريحاته المُثْنية على بوش حيث وصف بوش بأنه باني الكويت ومحررها كما قال الغانم في تصريحات له من قبل.

 

آخران أحدهما شجب موقف الغانم قال فيه إنه هو الذي أخرج سوريا من البرلمان العالمي، بينما قال الآخر إنه لم يشجب النظام السوري كما فعل بهجومه على النظام الصهيوني، وأنه رجل لديه مقاييس مزدوجة.

 

الكتابات كثيرة وكلها تدل على التيه الذي نحن فيه، لكن دعوني شخصيا أحتفي بالكويت وأقول: ولا تزر وازرة وزر أخرى.

 

ولنتذكر قوله تعالى: "فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ"



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أثناء مداخلة لم تتجاوز 45 ثانية، هاجم رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم رئيس وفد إسرائيل إلى مؤتمر الاتحاد البرلماني الدولي المنعقد في روسيا، ونعته بممثل الاحتلال وقتلة الأطفال.

أشعلت المداخلة القصيرة التي هاجم بها رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم رئيس وفد إسرائيل إلى مؤتمر الاتحاد البرلماني الدولي في روسيا مواقع العالم الافتراضي.

الأكثر قراءة