الكهنوت السياسي وحماس

الاستحالة في الحياة هي فقدان الإيمان فقط، فاقد الإيمان هو فاقد الهدف والإرادة والدافع، هو من تعجز عنده ثنائية الإدراك البشري (العقل والقلب) عن القدرة على التمييز والتذوق، هو من يموت عنده شغف انتظار الأشياء، ومن ماتت انتظاراته ماتت أيامه، لا شيء أدعى من أن نُسقِط هذه العدمية البائسة عليه أكثر من مجتمعاتنا العربية أو ما شابهها، إلا أننا نملك دون غيرنا جغرافيا وتاريخا يشهد لهما العدو والصديق، فيهما الحل والمشكلة دائماً.

مجتمعات لم يمنحها أحد أسباباً للإيمان بشيء، الإيمان فيها –إن اتفقنا على أنه إيمان- يقتصر على السعي وراء مصالح ذاتية مادية سرعان ما تتلاشى لذّاتها لأنها لم تدون ضمن إطار تاريخي للأحداث يُبقيها حية يُشهد لها أو عليها، إطار قادر على صبغ الأشياء بصبغة الحدث، ذلك لأن كل ما يقترن بالتاريخ يكتسب صفة الدوام ويكون أكبر من أن تحتكره سيرة ذاتية أو كتاب مذكرات أو سطور تستلقي عليها نفحات زهدٍ وتقشف فضلاً عن عظمة لإمام أو أمير أو كل ما هو على نحو ذلك.

ولعل استقراءً بسيطاً لمعالم هذه المجتمعات عبر التاريخ السياسي يقرُّ بأن النظرة إلى السياسة تقتصر على رؤيتها على أنها مجرد صراع على السلطة، ليس أكثر بكثير من ذلك، يأتي هذا ضمن تسلسل منطقي وطبيعي للأشياء في مجتمعات عربية نشأت على نزعات الزعامة والتملك والتفرد وشابها جموح رهيب إلى حب الظهور والصدارة منذ أن رأتنا الشمس ورأيناها.

ظهور مجتمعات ودول واختفاء أُخر ما هو إلى سمة أساسية لعجلة الكون التي لا تخجل ولا تحابي أحدا، عجلة تسرع الخطو بطرق مبهرة، تراها تحترم الجميع بقدر ما تراها لا تحترم أحداً

حتماً ستكون الأفكار السياسية ما هي إلا مجرد أداة رصٍّ لتراكيب لغوية جذلى وقادرة على صناعة خطابات تلهب مشاعر الجماهير قادرة على تفريخ أجواء شعاراتية ذات صدى، مهمتها استمالة قلوب وعقول الناس تحت مظلة وعود أغلبها جوفاء، لكسب دعم شعبي وأعداد من الأصوات الانتخابية ينتهي بسلطة، سلطة تنتهي باستهلاك، أفكار سياسية ذات توجه استهلاكي، ولأن الاستهلاك لا يبني ولا يُعمّر فمصيرها الهلاك كما هو أصحابها.

لا ينبغي تحت أي ادعاء أو شكل أن تكون الأفكار السياسية مرآة عاكسة لغايات وطموحات شخصية -ولو كانت راقية- الفكرة السياسية الراجحة هي القادرة على التنبؤ والبحث والتفرس وإلهام العقل لإقرار الفعل السياسي لذات الفعل، أي فكرة تحاول أن تجعل العالم ذات معنى وقيمة، بعيدا عن الهيمنة والاستهلاكيات العبثية.

الأفكار السياسية لا تنشأ من الترف الفكري ولا تسقط من السماء وليس للوحي علاقة بها، لكنها نتاج طبيعي ملتصق بظروف سياسية واجتماعية تكتنف حياة المجتمع، أي أنه لا يمكن فصل النظريات السياسية عن الممارسة السياسية، أو بشكل أكثر تجريدا وعمقاً هو التوازن بين الأيديولوجيا باعتبارها علم الأفكار من جهة والقوى التاريخية والاجتماعية من جهة أخرى، أي أن الأفكار السياسية كما هي أفكار الناس تتشكل نتيجة ظروفهم أياً كانت مسمياتها.

ظهور مجتمعات ودول واختفاء أُخر ما هو إلى سمة أساسية لعجلة الكون التي لا تخجل ولا تحابي أحدا، عجلة تسرع الخطو بطرق مبهرة، تراها تحترم الجميع بقدر ما تراها لا تحترم أحداً، هو قراءة حقيقية وعميقة لنتائج مفهوم الارتباط الطبيعي والمتوازن بين النظرية والممارسة، ولعل من أهم معالم ذلك الانتقال النوعي من النظام الإقطاعي الزراعي إلى الثورة الصناعية وصولاً إلى مجتمع المعلومات أو ما يطلق عليه (ما بعد الحداثة)، وقيام نظام عالمي أحادي القطبية تسيطر عليه الولايات المتحدة، ثم ميلاد الإرهاب العالمي.

من الضرورة والإنصاف الإشادة بالتغيير الحداثي الملموس الذي لحقت بركبه حركة المقاومة الإسلامية حماس. والمتمثل في تغيير النظرة الكهنوتية للحركة
 

العالم اليوم وضمن تطور وانتقال طبيعي يقول بقتل الأيديولوجيا السياسية، أيديولوجيا يرى أصحابها فيها طريقة لصبغ خريطة العالم بصبغة المعتقد والقيمة ويناضلون في سبيل ذلك في عالم تجاوز مرحلة التقاليد الايديولوجية وأصبحت فيه اليقينيات والرواسخ محل شكوك وغربلة.

هنا تأتي مشكلة قطاع غزة، قطاع غزة هو جغرافيا تدين بدين المعتقد السياسي أي الأيديولوجيا السياسية، وهي بدورها عبارة عن مجموعة منظمة بدرجة عالية من الأفكار السياسية تُشكل مذهباً سياسياً شاملاً يدعي احتكار الحقيقة، في مرحلة متطورة من مراحل التعاطي مع المذهب فيما بعد.

أما وإن العالم يرى بأن السياسة هي فن الممكن، والممكن لا يؤمن بشيءٍ كما أنه لا يكفر بشيء، الممكن هو فقط أن تحشد لتصل، فليس أبسط من أن تجد العالم كله يمتطي (الثابت والمعتقد) ليصل، هذا ما يجعلنا أما قرار جريء بمراجعات شاملة تقتضي مزيدا في المرونة ومزيدا في التعاطي مع الأحداث على خلاف ما كانت عليه أحزابنا من جمود وتحجّر.

ولعلني أجد من الضرورة والإنصاف أن أشيد بالتغيير الحداثي الملموس والذي لحقت بركبه حركة المقاومة الإسلامية حماس. والمتمثل في تغيير النظرة الكهنوتية للحركة باعتبارها حركة مباركة جذورها ثابتة وفروعها في السماء إلى كونها مرحلة تاريخية تشهد صواباً وخطأً، فمن ثمّ جاءت صياغات مرنة لوثيقتها الجديدة والتي أعلنها خالد مشعل في وقت سابق وقبل التدوير التنظيمي الأخير الذي شهدته الحركة وكيف فتحت نوافذ على العالم، ومن ثم كان التعاطي السلس في طريقة انتقال السلطة وتعاملها مع ملف المصالحة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال أسامة حمدان مسؤول العلاقات الخارجية بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) إن علاقة الحركة مع إيران أكثر استقرارا من أي وقت مضى. يأتي ذلك في حين يواصل وفد حماس زيارته لطهران.

الأكثر قراءة