السيسي والمعارضة والإرهاب المحتمل

بعد أن وصلت في مقالي السابق إلى الحكم عليَّ بالإعدام ثم وضعي على قائمة الإرهاب، فلا ينتظر أحد منِّي أن أخرج اليوم لأدين الإرهابيين الذين قتلوا ضباط وجنود النظام المصري الذي فعل فِيَّ هذا، فهذا ضد العقل والمنطق والفطرة السَّوِيِّة. أقول هذا لأن أكثر شركائنا في صف رفض الانقلاب قد وصفوا ضحايا رابعة والنهضة وغيرهما من المجازر بأنهم شهداء، ثم وصفوا الذين قتلوهم عندما قُتِلوا بأنهم شهداء أيضا!!

 

في مشهد متناقض متضارب يجعل المتابع يضرب أخماسًا في أسداس من الحيرة. مَن مع مَن؟ ومَن ضد مَن؟ وكيف أصبح القَتَلة شهداء بين طرفة عين وانتباهتها؟! والحمد لله أن القرآن يؤيد موقفي الفطري في عدم الحزن على هؤلاء المجرمين، حيث قال سبحانه: {فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} بل في الفرح فيهم، حيث قال: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَومن ثمّ.. فإن الترحّم على هؤلاء القتلى نوع من العبث.

 

ومما يزيد المتعجب عَجَبًا أن ضباط الجيش والشرطة لا يدخلون كلياتهم إلا بالرشاوى والواسطة (يعني أول القصيدة فساد)، ثم هم يتعلمون قلة الأدب والإجرام على مدى سنوات دراستهم، ثم يتم اختيار أكثرهم فسادًا وإجرامًا في أمن الدولة والأجهزة السيادية؛ ثم نجد من يسميهم بعد ذلك: شهداء الوطن. أو شهداء الواجب الوطني!! وقائل ذلك يعلم يقينا أنهم يبيعون الوطن في طرفة عين إذا حصل تعارض بين مصلحتهم الشخصية ومصلحة الوطن، كما يعلم كذلك أن المهمة التي خرجوا فيها هي إحدى الحلقات في سلسلة إجرامهم وبغيهم.

 

بشر السيسي بوجود إرهاب محتمل يراه مقبلا، لم يكن هذا لأنه سيصنع الإرهاب أو سيقتل جنوده الأوفياء كما يدعي البعض لكن لأنه يعلم أن جرائمه للاستيلاء على السلطة ستخلف آلافا من المظلومين
 

زاد الأمر عن حَدِّه حتى وصل لدرجة أن رئيس حزب سياسي معارض يصرح بأنه يرفض قتل السيسي نفسه بهذه الطريقة!! ولعلَّ الأيام تخبئ لنا أنه يرفض إسقاط الانقلاب بالقوة. أنا هنا لا أسخر، أنا فعلا لا أعرف، لعل ماما أمريكا ستنتفض من أجل إعادة الحق لأصحابه لأنهم حافظوا على السلمية كما تفعل في العراق، أو ممكن خالتي روسيا ستحرك أسطولها نصرةً للمعارضة المعتدلة كما تفعل في سوريا، أو جايز عَمّتي محكمة العدل الدولية ستصدر حكما على السيسي وزمرته بالإعدام قصاصا لدماء الشهداء الذين سقطوا على أيديهم. والله أنا أتساءل كغيري؛ لأنني أحب أن أعيش مثل الناس في بلدي ووسط أهلي ولا أحب الإرهاب، بل أرفضه مثل بقية الأسوياء، فلو كان عند إخواننا اللي فوق علم بهذا.. فليأتونا به حتى نستريح من عناء المطاردة والملاحقة التي نعيشها بلا فائدة.

 

تعالوا ندخل في الموضوع:

في 28 يناير 2011 سقط جهاز الشرطة المصري ولم يعد له أي تواجد بالشارع، وباستثناء أحداث سيناء لم تشهد مصر عمليات من التي يتم توصيفها بأنها إرهابية على المستويين الأمني والعسكري، وفي المقابل كان الإرهاب الحقيقي مازال مستمرا على يد قوات الجيش (ماسبيرو – محمد محمود – العباسية) إضافة إلى مشاركة قوات الأمن في صنع بعض المجازر مثل أحداث استاد بورسعيد، حتى كان انقلاب 2013 الذي حمل لنا تبشير السيسي بوجود إرهاب محتمل يراه حضرته مقبلا من بعيد.

 

لم يكن هذا لأنه سيصنع الإرهاب أو سيقتل جنوده الأوفياء كما يدعي بعض أصدقائنا الطيبين، لكن لأنه يعلم أن جرائمه في سبيل الاستيلاء على السلطة ستخلف آلافا بل ملايين من المظلومين وأصحاب الثأر، وأن قيادة المعارضة (الرشيدة المعتدلة) لن تتمكن من السيطرة على كل هؤلاء، فمن الطبيعي أن تنشأ حركات وجماعات مسلحة ترفض التدجين والاحتواء، ولأن الرجل كان مدير المخابرات.. فبالتالي صدقت توقعاته، وأصبح المحتمل واقعا حقيقيا تحياه مصر إلى يومنا هذا.

 

لن يتورع السيسي وجنوده عن القضاء على أي مظاهرات أو اعتصامات سلمية غير قادرة على تأمين نفسها، والمجتمع الدولي يدعمه معنويا في ذلك

لكن الذي خابت فيه ظنون السيسي هو الكَمُّ والكيف، فقد تخيل الرجل أن شرذمة قليلة من القوم ستقوم بعمليات هزيلة يسهل عليه مواجهتها والقضاء على أصحابها، وأن انتصارا سهلا ساحقا يلوح في الآفاق. بينما خبّأ له القَدَرُ مالم يكن في حسبانه، فتنظيم الدولة مازال يصول ويجول في سيناء ويلحق به الهزيمة تلو الأخرى، وحركات حسم ولواء الثورة تقوم بعمليات أمنية كل فترة بحسب إمكاناتها وقدرات شبابها، وهناك اللهو الخفي (هشام عشماوي) الذي فُصِل من الجيش ليصبح قائدا عسكريا يضرب الجيش والشرطة في آن واحد، وهناك مجموعات ذهبت وأخرى تتجهز وتستعد للنزول إلى ساحة المعركة، وزمام الأمور تفلت من الجميع على حَدٍّ سواء، فلا السيسي استطاع أن يحتوي أنصاره ومؤيديه، ولا المعارضة السياسية كانت على قدر المسؤولية، فكانت النتيجة هي ما نشاهده الآن من مباراة ساخنة يصعب التكهن بنتيجتها.

 

وإذا كان توقع صورة المشهد الختامي بهذه الصعوبة.. فإن هناك أمورا واضحة يسهل القطع بها أو على الأقل ترجيحها:

1- لن يتورع السيسي وجنوده عن القضاء على أي مظاهرات أو اعتصامات سلمية غير قادرة على تأمين نفسها، والمجتمع الدولي يدعمه معنويا في ذلك.

 

2- لم يتوقف عداد المظالم -بل يزيد- وكثرة المظالم من شأنها أن تزيد أعداد الحركات المقاومة، وكل مجموعة ناشئة تجتهد في الاستفادة من أخطاء سابقيها. ومن يلوم عليهم عاجز عن أن يدلهم على طريق غير هذا لاسترجاع حقوقهم الضائعة. وقد قيل: إنّ لِصاحب الحق مقالًا.

 

3- استمرار تنظيم الدولة إلى الآن، وتمكن منفذي عملية الواحات من الاختباء قبل العملية والهرب بعدها يؤكد أن الحاضنة الشعبية للحركات المسلحة في ازدياد مستمر.

 

4- الدول العظمى (أمريكا وروسيا) ستساعد السيسي من بعيد، ولن تتدخل بشكل مباشر -مرحليا على الأقل- لأن أقدامهم مغروسة في مستنقعات عدة لا يستطيعون الخروج منها (أفغانستان – سوريا – العراق) فإذا ما لجأ لفرنسا سيجدها مشغولة هي الأخرى بالملعب الليبي.

 

5- المعارضة السياسية المدجنة هي أضعف لاعب في الساحة حاليا، والملاحَظ أنها قابلة للانقسام على نفسها بحيث يذهب بعضها لمعسكر السيسي أو الجيش، ويذهب البعض الآخر لمعسكر التنظيمات المسلحة (وقد ينتهي أمرها سريعا إذا زادت وتيرة العمليات ضد النظام ورموزه).

 

6- كل أوراق الضغط التي يمتلكها السيسي المتمثلة في المعتقلين والمحكومين بالإعدام يستطيع أن يلاعب بها المعارضة السياسية، وليس في يده ما يضغط به على الحركات المسلحة. يعني بالمثل المصري: مش قادر على الحمار وبيتشطر على البردعة!!

 

7- حالة الفوضى المتوقعة ستكون مستعصية على الاحتواء والتوجيه ولا حتى ضبط الإيقاع سيكون سهلا ميسورا، وإذا كنت على المستوى الشخصي لا أتمنى أن تصل مصر لحالة من الفوضى الدموية.. إلا أن الطريق الذي تسير فيه الأحداث لا يؤدي إلا إلى هذا المصير المؤلم.

 

ماذا تنتظرون من شباب عايش كل هذا الكم من الدماء البريئة؟ ماذا تتوقعون ممن حمل جثة والده أو أخيه أو صديقه لأنه هتف ضد الظلم؟
 

8- الاحتمالات بشأن منفّذ عملية الواحات كلها تقريبا لها وجهٌ من النظر (تنظيم الدولة – جماعة عشماوي – تنظيم جديد غير معلن إلى الآن – حركة حسم) ولئن كان الأخير هو أضعف الاحتمالات.. فإن الخيال والوهم فقط هو الذي يضع احتمال تنفيذ مخابرات السيسي لمثل هذه العمليات التي تهز هيبة الدولة وتُضعِف معنويات الجنود والضباط.

 

هناك نظريات تقول: إن أراقة قليل من الدماء بحقها تحقن كثيرا مما تُراق بغير حق، وإن بعض العنف في وقته يغني عن سيول جارفة منه إذا تأخر. والذي نعيشه الآن هو ثمرة طبيعية لامتناع القيادات الهزيلة عن القرارات الحاسمة في وقتها، عندما كان الانقلاب ضعيفا منتظرا للضربة التي تقضي عليه في مهده. لست أبكي هنا على اللبن المسكوب، ولكني أؤكد على أن القيادات التي أوصلتنا لحالتنا الحالية لا يجوز بقاؤها في الصدارة لحظة واحدة.

 

وفي النهاية.. عندي سؤال استنكاري لمن يدينون ويستنكرون هذه العمليات بدعوى أن قانون الظلم خير من اللاقانون، وهو: ما هو الفارق بينكم وبين السلفية المدخلية أو السلفية البرهامية التي اتهمتموها بالخيانة والعمالة؟! هم يقولون: الحاكم هو القانون. وأنتم تقولون: القانون هو الحكم. والكل يعلم أن الحاكم هو الذي يُفَصّل القانون على مقاسه ليحكم به.

 

كما عندي سؤال لأتباع السيسي وأنصاره: ماذا تنتظرون من شباب عايش كل هذا الكم من الدماء البريئة؟ ماذا تتوقعون ممن حمل جثة والده أو أخيه أو صديقه لأنه هتف ضد الظلم؟ ماذا تريدون ممن تم الاعتداء على عرض امرأة من ذويه؟ أتظنون أن كل هؤلاء سيكونون على مثل درجتكم من البرود والبلادة!! أذكركم بقول الله سبحانه في الحديث القدسي عندما تُرفَعُ إليه دعوة المظلوم: "وعِزَّتي وجلالي لأَنصُرِنَّكِ ولو بعد حين". والله من وراء القصد.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

يلتقي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بباريس نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، وذلك رغم احتجاج منظمات على هذه الزيارة بسبب سجل مصر في انتهاك حقوق الإنسان.

تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لنظيره المصري عبد الفتاح السيسي، عقب محادثاتهما بباريس، بدعم القاهرة في كل المجال، وامتنع عن الاستجابة لمنظمات دولية طالبته بإثارة انتهاكات حقوق الإنسان والحريات بمصر.

فوجئ المصريون بتصريح لوزير الاقتصاد الفرنسي يكشف فيه توقعه عقد صفقة لبيع طائرات "رافال" لمصر، وهو ما اعتبره مراقبون "صفقة" هدفها دعم موقف السيسي، بينما يراه مؤيدون تنويعا لمصادر التسلح.

الأكثر قراءة