إذا خيروني بين مسلحي الصحراء ومسلحي الشرطة

بعد حادثة الواحات التي قُتل فيها ما يقارب 52 قتيلا حسب مصادر إعلامية مختلفة، ظهرت تعليقات كثيرة على الحادثة بين الفرح والتشفي وبين العويل والبكاء، في تلك الأثناء كان المثقفون والباحثون على مواقع التواصل الاجتماعي يكتبون توصياتهم المهمة والعميقة وتحذيراتهم المؤصلة والموثقة من عينة "البلد بتتهد فوق دماغنا" "المسلحين لن يفرقوا بين رجال السياسة ورجال العسكر من جيش وداخلية وسيقتلونا جميعا" "يجب أن نحافظ على مؤسسات الدولة"، بينما كان زعماء التنظير في المنتديات العربية خارج مصر يتمايلون ليسجلوا بحرفية علمية أكاديمية رفيعة صوتهم قائلين أن "الاستهداف العشوائي الذي تنتهجه الدولة للمعارضين والذي يسمى إجراما وإرهابا هو نفسه الإجرام والإرهاب الذي ينتهجه المسلحون بشكل عشوائي ضد الجيش والشرطة".

 

والحقيقة أن تلك التعليقات بها جزء من الصحة، فالمتابع لسير الأحداث بسوريا وكيف تعاملت فصائل المعارضة المسلحة مع بعضها البعض مستخدمة أساليب القتل والخطف والتعذيب أحيانا والتصدي للمظاهرات التي تندلع  داخل المناطق التي يسيطرون عليها بالسلاح، ثم من ينظر لما يفعله تنظيم "ولاية سيناء" والذي كان معروفا باسم "أنصار بيت المقدس سابقا" من حيث الاستهداف العشوائي لجنود الجيش وأحيانا ما يصيب الأهالي وساكني منطقة رفح والعريش والشيخ زويد من طلقات المسلحين من التنظيم، والجيش يعلم أن التنظيمات المسلحة خاصة من يحمل منها إيديولوجية مثالية تطهيرية، قد لا تفرق بين مسلح وغير مسلح أو بين مدني وعسكري.

 

لكن تظل هذه التعليقات في منتهى الإجحاف والسطحية، ذلك لأن المتابع لأخبار ما حدث سيعلم أن من استهدفهم المسلحون كانوا هم القيادات والضباط فيما تعرض الجنود والعساكر لطلقات تعجيزية فقط دون قتلهم، يعني أننا أمام تنظيم أو جهة ما تفرق بين القيادة والعساكر وتفرق بين المدني والمسلح، وتتحرى قبل القتل، غير أن العملية كلها حدثت خارج المدينة ولم يصاب فيها أي مدني بريء أعزل.

 

 

النقطة الثانية أن هؤلاء المسلحون سواء كانوا جهاديين أو غير ذلك فأظن أنهم من أبناء ثورة يناير أو ممن تأثروا بها أو ممن تأثروا بالحراك الثوري من بعد 2013، ذلك يعني أن عندهم قابلية للاستماع وقابلية للتقويم والنقاش، لكن ما يفعله هؤلاء المثقفون يزيد الهوة ويعمل على عزل هؤلاء الشباب تماما وشيطنتهم بل والدعوة غير المباشرة لإبادتهم.

 

بيد أن من التناقضات التي يقع فيها هؤلاء المثقفون والذين هم بالمناسبة دائمي الادعاء أنهم أبناء ثورة يناير وداعمي للثورة والتغيير، أنهم يريدون تغييرا سلميا إصلاحيا، أو ثورة بالقانون والدستور والمرافعات، يدعون للاستفادة من التاريخ وينكرون أي استخدام للعنف المشروع الذي قامت عليه كل الثورات بالتاريخ، يريدون أن يغيروا نظاما عسكريا من العالم الثالث يقوم على القمع والاستبداد بثورة ثقافية شبيهة باحتجاجات العالم الأول في أوروبا.

 

عن فداحة الثمن فكلنا ندفع ثمن سكوتنا قهرا وضنكا وأما عن العدالة فلا توجد عدالة في هذا العالم إن لم تحققها بنفسك، فلا تلومن من أراد أن يحقق العدالة من وجهة نظره

يحكون ليل نهار عن ظلم وغرف تعذيب أمن الدولة وعن المعتقلين والزنازين ثم يطلقون على ضباط أمن الدولة المقتولين شهداء الواجب والوطن، يتكلمون بخطب ومصطلحات راديكالية رنانة ثم في لحظة الفعل يمدحون جلاديهم ويتهمون بعضهم بعضا بدعم الإرهاب والفاشية والرجعية! الحقيقة أنه لا يوجد الآن صحفي أو باحث أو ثوري في مصر على مستوى الحدث وهذا ما ساعد من قبل في انتكاس الثورة، لا يوجد مقترح سياسي واحد واقعي يتحرك نحوه الناس والنشطاء، لا يوجد سياسيين راديكاليين جذريين يقدموا بدائل قوية واقعية يمكن للناس أن تثق فيهم وتدعمهم.

 

وعلى ذكر العنف والثورية، ففي فترة حكم محمد مرسي ظهر تنظيم يسمى "البلاك بلوك" الذي أعلن ممارسته للعنف "لإسقاط نظام مرسي المستبد" حسب قولهم   وتم استضافة أعضاء منه في إحدى القنوات الفضائية، بل أن كثير ممن يطلقون على أنفسهم ثوريين وأولاد ثورة يناير شاركوهم في حرق مقرات الإخوان الهجوم على القصر الرئاسي، ومن لم يشارك اكتفى بالمشاهدة والتحليل وربما الدعم والتصفيق، فأين هؤلاء الآن أمام هذا النظام القمعي المجرم، وأين التدريبات والمبادرات والجبهات الوطنية لمواجهته!

 

ويبقى السؤال أيهما أشرف خصومة.. المسلحون المتمردون على النظام أم جنود النظام؟ ففي حين يختار المسلحون أهدافهم من الجنود أو الضباط المسلحين يقتل النظام المدنيين العُزل بعد اختطافهم وإخفائهم قسريا. وفي حين يحدد المسلحون أهدافهم بدقة يقصف النظام البيوت والقرى فيقتل النساء والأطفال والعجائز. وبينما ينفق المسلحون على قضيتهم من أموالهم الخاصة فإن النظام يسرق أموال وموارد الشعب ليخوض بها حربه الخاصة.

 

أما عن فداحة الثمن فكلنا ندفع ثمن سكوتنا قهرا وضنكا وأما عن العدالة فلا توجد عدالة في هذا العالم إن لم تحققها بنفسك، فلا تلومن من أراد أن يحقق العدالة من وجهة نظره فيما تقاعست أنت واكتفيت بمشاهدة الظلم.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

يتعرض عناصر الأمن ومواقع تابعة للجيش والشرطة بمصر لهجمات تشنها جماعات مسلحة مثل تنظيم الدولة بسيناء وغيره من التنظيمات التي تصفها القاهرة بالإرهابية، وخلفت هذه الهجمات مئات القتلى والجرحى.

النظام المصري يستهدف أي صوت لا يؤيده وسجل مصر في حقوق الإنسان في تدهور مستمر، ورغم ذلك تعزز فرنسا علاقتها به ضاربة عرض الحائط بسجله الأسود في حقوق الإنسان.

الأكثر قراءة