الفطرة هي الأصل

مدونات - أطفال

يُحكى أن أحدَ الملوك تأخرتْ زوجته في إنجاب وليِّ العهد؛ فأرسل في إثر الأطباءِ من كل أرجاءِ المملكة. وكتب اللهُ أن يُجري شفاءُ الملكة على أيديهم؛ فحمَلَتِ الملكةُ بوليِّ العهد، وطار الملك بذلكَ فرحًا، وأخذ يعد الأيام لمقدَمِ الأمير. وعندما وضعت الملكةُ وليدها؛ كانت دهشةُ الجميع كبيرة، فقد كان المولودُ بأذنٍ واحدة! انزعج الملكُ لهذا وخشي أن يصبحَ لدى الأميرِ الصغير عقدةٌ نفسية تحُوْلُ بينه وبين كرسيِّ الحكم؛ فجمع وزراءَهُ ومستشاريه، وعرضَ عليهم الأمر. فقام أحدُ المستشارين، وقال له: الأمرُ بسيطٌ أيها الملك، اقطع أُذنًا واحدةً من كل المواليد الجُدد، وبذلك يتشابهون مع سمو الأمير. أُعجب الملكُ بالفكرة، وصارت عادةُ تلك البلاد أنه كلما وُلد مولودٌ قطعوا له أُذنًا، وما إن مضت عشرات السنين حتى غدا المجتمعُ كله بأذنٍ واحدة. وحدث أن شابًّا حضر إلى المملكة وكان له أذنانِ كعادة البَشر، فاستغرب سكانُ المملكةِ من هذه الظاهرةِ الغريبة وجعَلوه محطَّ سخرية، وكانوا لا ينادونهُ إلا: "ذا الأذنين"، حتى ضاق بهم ذرعًا وقرر أن يقطع أذنهُ ليصير واحدًا منهم!

 

وفي ظلال تلك الحكاية نقول :أن الرجوع إلى أصل الشيء وفطرته الأصلية، هو الأصل وما دونه هو شذوذ وتيه، ولنضرب على هذا مثالاً بسيطاً :أرأيت لو أن رجلا وضع أمامه كوب من عصير فمد يده إليه وصبه في أحد فتحتي أنفه، أتراه وقتئذ عاقلاً صحيح الفطرة سوي التصرف أم ستراه مجنوناً شاذاً عن الأصل وهو "الشرب عن طريق الفم"؟!
 
سيُجمع جلسائه ولابد أن هذا الرجل برأسه خلل ما، وأن ما فعله خلاف الأصل وهو الشرب عن طريق الفم لا الأنف، البعض منهم سينعتونه بالأخرق، والبعض الآخر سينهونه عن فعل ذلك لأنه قد يضره، وما ذلك إلا لأن في مخالفة الأصل والفطرة كل الهلاك، وكذا لو أن أحدهم أكل من روث أو غائط على مَرْأىً وَمَسْمَعٍ مِنَ الجَمِيعِ وعندما لامه الناس على فعله هذا أخبرهم أنه يشتهي الغائط ويراه طعاماً لذيذاً، وأنهم قوم لا يفقهون !والسؤال هنا: لماذا أنكر الناس على صاحب العصير وصاحب الغائط؟ الجواب ما أنكروا إلا لأن ما فعلاه هو أمر مستقبح خلاف الأصل والفطرة السليمة!
 
وإني لست بمتعجب من كل ما مضى مثل عجبي من أقوام ينكرون على صاحب الغائط الذي يفعل هذا الفعل المستقبح رغم تمام عقله وحضور إدراكه ولا ينكرون على تلك التي قد كشفت من جسدها أكثر مما تستر بل وترى أن هذا هو الأصل والفطرة وما عداه تشدد ورجعية وانتكاسة فطرة، وقد حكى الله عن آدم وحواء أنهما بعد أن أكلا من هذه الشجرة ظهرتْ لهما سوءآتهما، والسَّوْأة هي العورة أي: المكان الذي يستحي الإنسان أن ينكشف منه، أخذا يلصقان الورق على عورتيهما لسترها هكذا بالفطرة دون أن يلقنهما أحد هذا، يقول الله عز وجل في سورة طه "فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى" آية (121)، فدل هذا على أن الفطرة والأصل وما يوجبه العقل على الإنسان هو التستر وليس التعري.

 

إذا ما تأملنا في حياة الأطفال فسنرى الكثير من صور الفطرة السليمة، وذلك لأن كل مولود يولد على الفطرة السليمة التي يبدلها أبواه أو يحفظاه عليها
إذا ما تأملنا في حياة الأطفال فسنرى الكثير من صور الفطرة السليمة، وذلك لأن كل مولود يولد على الفطرة السليمة التي يبدلها أبواه أو يحفظاه عليها
 

والأصل في الرجل هو نكاح المرأة والميل لها لا الرجل وكذا في المرأة، والأصل في المرأة هو الحياء لا التبذل فتكره أن يتكشف منها شيئا لرجل أجنبي عنها فتراها خافضة لصوتها في الأماكن العامة غاضة الطرف، وفطرة الرجل السليمة تقضي أن يكون غيوراً على عرضه لا ديوثاً فيكره أن يشترك غيره فيما هو حقه من تمني ورغبة واشتهاء وتملك، والفطرة في كليهما هي التستر لا التعري كما بينا آنفاً، فمن شذ عن فطرته فقد خالف الأصل وشذ عنه.

 
والالتزام بالأصل ليس منة لك على الله بل هي منة منه عليك ابتداءً وانتهاءً، والمبصر يراه رجوعا للأصل، والأعمى يراه شذوذاً وخلافاً للأصل، والفطرة المعكوسة ليست حجة على الفطرة السليمة فلا يأتي رجل وقد خالف فطرته وتزوج بمثله ويتهم من يخالفه بالرجعية والتشدد والعجب ليس منه أكثر من العجب ممن يوافقونه في ذلك ويدعون أن إجماعهم على ذلك ملزم لمخالفه ونسوا أن إجماع الناس على شيء لا يُحله ورضى جمع بالحرام لا يجعله مشروعاً!
 
ولا شك أن من يقطع أذنه متنازلاً عن أصوله وما يعتقده صواباً من أجل إرضاء معكوسي الفطرة منتكسي القلوب هو مخطئ يُخشى عليه من أن يُشرب الباطل فيضل وتزل قدم بعد ثبوتها ويذوق السوء بما بدل وغير.
 
ومن جميل ما رأيت من صور تنطق بالحياء أنه وفي حفل زفاف فرنسي أثناء تقبيل العروسين لبعضهما، كانت ردة فعل البنات الصغار تنم عن الفطرة السليمة فقد شهقت الأولى، أما الثانية فأخفت وجهها بكفها والثالثة كانت تنظر نظرة تباين بها موقف من تجاورها، وما ذلك إلا لأن كل مولود يولد على الفطرة السليمة التي يبدلها أبواه أو يحفظاه عليها .