الحب كتجاوز للأنا

blogs الحب و الانجذاب
يجادلُ البعض من الأساس في وجود كلمة "حب "، من الأصل، ناهيك عن الحديث عن مستويات أعلى من تمثلات هذا الشعور، كالتعلق والذوبان في الآخر، كما يطرح هذا المقال. لكن يبدو أن المرء لا يملك تلك الرفاهية لينفي وجود هذا الشعور، أو بلفظة الفيلسوف الفرنسي الآن باديو في كتابه "في مدح الحب" Eloge de l’amour :"إن الشخص الذي لا يتخذ الحب نقطة بداية له لن يعرف أبداً ما هي الفلسفة". وأنا أتمنى أن أعرف الفلسفة، وأبحث عنها بحث الغريب عن الوطن.
في أحد أغانيها، تصرخ السيدة أم كلثوم بصوتها الأجش المبحوح "كنت بشتقلك وأنا وأنت هنا". بدا لي ولوهلة أني أخطئتُ في إلتقاط كلمات الأغنية، أعيدها مرة آخرى، لأتأكد من أن السيدة قد عنت ما قالت "كنت بشتقلك وأنا وأنت هنا". اتسأل مندهشاً أعليلٌ هو كان منطق السيدة؟ فكيف نشتاق لأحدهم وهو متمثل معنا وحاضر زماناً ومكاناً؟

يبدو أن التعلق بأحدهم يحول الحب في مرحلة ما إلى شئ أشبه بالسراب، وهنا الحديث عن نوع متطور من التعلق. الأمر هنا ليس مسألة علاقة عاطفية أو حب بين طرفين. الأمر أكبر من ذلك بكثير. ورغم أن الأمر يبدأ عادة بإعجاب متبادل، لكنه يتطور لالتقاء أرواح بين طرفين. أو بلفظ النبي صلى الله عليه وسلم "الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف". ولا يكون ذلك إلا بالتقاء الصفات الموجودة لدى أحدهم وتشابهها مع الصفات الموجودة لدى الآخر. تصير العلاقة بهذا الشكل درباً من البحث عن الاكتمال، أو كما يعرف كونديرا هذا الحب في كتابه "كائن لا تحتمل خفته" The Unbearable Lightness of Being بقوله: "الحب هو تلك الرغبة في إيجاد النصف الآخر المفقود من أنفسنا".

يشعر المحب في حضرة محبوبه، أنه حين يهمس فإنه لا يهمس إلى آخر، بل كأنه يهمس إلى نفسه، فتراه يحادث المحبوب، محادثة النفس للنفس
يشعر المحب في حضرة محبوبه، أنه حين يهمس فإنه لا يهمس إلى آخر، بل كأنه يهمس إلى نفسه، فتراه يحادث المحبوب، محادثة النفس للنفس
 

في هذا المستوى من التعلق، يشعر المحب بذوبان آناته في الآخر، وهو ذوبان يعني بشكل ما فقدان المحب لإحساسه بالزمان والمكان. فترى المحب في حضرة محبوبه يطيل الصمتَ كأن على رأسه الطير. وهذا الذوبان للآنا إنما يحدث تلقائياً مع توهج الحب في قلب المحب. وليس للمحب على الحقيقة من مناص أو مفر من هذا الذوبان، فلا ينجو منه ناج.

عند تلك اللحظة يشعر المحب ألا شيء يكفي من محبوبه، لا ارتواء هنالك، لا من لقيا المحبوب، ولا من محادثته، فيصير المحبوب كالسراب، كلما اقتربنا منه، شعرنا أننا عنه أبعد، فيدخل المحب في متوالية من الظمأ الأبدي، لا يجدي معها لا طول مصاحبة للمحبوب ولا طول محادثة، وهنا يغلب المحب الوجد فيستحيل إلى صنوف من العذاب، عذاب البحث المضني عن الارتواء من المحبوب، أو كما يلخص ذلك الحلاج بقوله البليغ "يا نسيم الريح قولي للرشا لم يزدني الورد إلا عطشا".

ولست هنا بصدد إصدار حكم قيمي، عن كون هذا المستوى من التعلق بالمحمود أو لا، لكن ما يهمني على الحقيقة هو تشريح هذا النوع من التعلق، وكيف يصير إليه المرء بأقدامه محباً مختاراً.

حين يحدث هذا الامتزاج بين الأرواح، تذوب الآنا بالكامل في الآخر، وهنا يصير الحب تجاوزاً للآنا، ففي هذه اللحظة تمتزج ذات المحب بآنا المحبوب، فترى المحبين في ساعة اللقيا، لهما من الفعل ما يحار منه اللباب، فيشعر المحب في حضرة محبوبه، أنه حين يهمس فإنه لا يهمس إلى آخر، بل كأنه يهمس إلى نفسه، فتراه يحادث المحبوب، محادثة النفس للنفس، يستحيل صدر المحب حين ذاك صفحة بيضاء ناصعة البياض، فينفض المحب عن قلبه وبشكل لا إرادي كل أتربة الكتمان، وبقايا انكساراته، ووحشته.

الحديث عن امتزاج الأرواح وتجاوز الأنا، يأخذنا مجبرين للحديث عن فعل الاحتضان، كنقطة عبور من حيز الآنا المحدود، وطي لآخر مسافة مكانية تفصل بين ذات المحب وآنا المحبوب

يصف بن القيم رحمه الله هذا المستوى من التعلق في كتابه "روضة المحبين ونزهة المشتاقين" بقوله: "الحب هو امتزاج الروح بالروح لما بينهما من التناسب والتشاكل، فإذا امتزج الماء بالماء، امتنع تخليص بعضه من بعضه. وقد تبلغ المحبة بينهما حتى يتألم أحدهما بتألم الآخر"، وهذه الحالة لا تعرف معنى الفراق أو الرحيل، فوجود المحبوب تخطى كونه تمثلا ًمادياً، أي أن يكون المحبوب موجوداً بجسده، إلى تمثل معنوي خالد، وهو المعنى الذي يقول فيه سلمان العودة "‏حين تكون الروُح هي العاشقة، وقد علا وَجْدها فوق نبضّ حواسها، فلا وداع هُنا ولا ثمّة انفصال".

ويعتقد البعض أن هذا الامتزاج، لا يصير إلى الكمال، إلا بامتزاج الأجساد وملامستها بعضها البعض، إلا أن هذه الملامسة على الحقيقة لا تعبر إلا عن كونها تمثلا لامتزاج الأرواح، فهذا الاتصال الجسدي لا يكتسب أهميته، إلا باعتباره صورة مجسمة لتلاقي الأرواح. صورة حية وتقريب لعقولنا العاجزة عن إدراك امتزاج الأرواح المتجاوز للمادة. فيصير امتزاج الأجساد تجسيداً، نفهم به ومنه امتزاج الأرواح.

والحديث عن امتزاج الأرواح وتجاوز الأنا، يأخذنا مجبرين للحديث عن فعل الاحتضان، كنقطة عبور من حيز الآنا المحدود، وطي لآخر مسافة مكانية تفصل بين ذات المحب وآنا المحبوب، وباعتباره نقطة مفصلية في فعل الامتزاج، ففي لحظة الاحتضان يخلع المحب رداء الذات، يعبر آخر جسر يمنعه من الامتزاج الكامل مع محبوبه. هذا التمثل يلغي في الحقيقة الإحساس بالزمان والأين. هنا اكتمال صارخ، وعبور ماجن، من فضاء الجسد على ضيقه، إلى فضاء الروح على سعته ورحابته.

فضاء الروح هناك حيث لا أين ولا كيف، ولا سؤال ولا استفسار، ولا علة ولا معلول، ولا استقراء ولا استنباط، ولا مادة ولا منطق ولا عقل. فضاء لا يبلغه المرء إلا بأن ينفض عن نفسه غشاء العقل ليتحصن بالقلب، ويدع ضيق البصر ليستبدله بسعه البصيرة. حينها وفقط يشعر بذلك الحب الذي يتجاوز الآنا. وهذا الفضاء لا مكان للعقل فيه. فالاجتماع فيه يكون بالقلب لا بالعقل. فالرحلة هى رحلة قلوب لا دخل للعقل بها، فالقلب كائن لا يحده مكان ولا شعور له بالزمان.