أن تكون ممن تستهويهم الكتابة!

Blogs- writting
قد يظن بعض الأشخاص ممن لم يجربوا يوما أن يجعلوا من الكتابة أسلوب حياة، أن هذه الأخيرة هي فعل لا يتطلّب منا أكثر من فكرة. بضع كلمات من أجل صياغة هذه الفكرة، وأخيرا قلم وورق، أو آلة للكتابة. لكن الشيء الذي لا يعرفه هؤلاء، أن الكتابة أكثر من ذلك بكثير، فالكتابة تتطلب منا أن نضع أنفسنا في عدة قوالب، كل حسب الموضوع المعالج. الكتابة تستهلك أحاسيسنا وتنمّيها في الوقت ذاته. الكتابة تجعل منا أشخاصا قادرين على التعبير على أكثر المواضيع والمشاعر حساسية. 
           
لأن أغلب الكتابات هي أكثر من مجرد أفكار وأسلوب جميل، فإنها تتطلب أن نفجر كومة من الإحساس ظلت راقدة بداخلنا. وهي بذلك تحتاج منا جرأة أكثر من أي شيء آخر، ليست جرأة من أجل أن نفصح عن أفكار أو معتقدات، بل أعمق من ذلك، جرأة من أجل مصارحة أنفسنا، أو القدرة على نسج كلمات ندرك أنها ستثير في دواخلنا أشياء يصعب تجاوزها بمجرد محو تلك الكلمات. وقد تبدو لنا بعض الكتابات مجرد حروف مترابطة، ذات معنى أو متجردة منه، لكنها أكثر من ذلك بكثير، فهي في الغالب سهام تصيب صاحبها فتزيد الجرح فوق العمق عمقا، وفوق الألم آلاماً لتكون بذلك بمثابة جرعة نيكوتين قد يخيّل لنا أننا سنصحو بعد استنشاقها أكثر إقبالا على الفرح، لنكتشف أنها مجرد لحظات انتشاء عابرة.
             

أن تكون ممن يجدون ذواتهم في الكتابة يفتح لك أبوابا تطلّ من خلالها على خبايا كينونتك، ويتجسد هذا حين تشعر بأنك تتنفس حرية من خلال تلك الكلمات التي تصوغها

إذا كنت من الأشخاص الذين لم يخوضوا في الكتابة يوما، قد يخيّل إليك أن الأشخاص الملمّين بالكتابة يعيشون واقعا عاديا كباقي الأشخاص، لذا دعني أؤكد لك أنك مخطئ تماما فأن تكون ممن تستهويهم الكتابة يعني أن ترى في كل حدث فرصة للكتابة، يعني أن تفكر في عنوان مناسب لتدوينة أو مقال في أوقات وأماكن غير مناسبة لذلك بتاتا، يعني ألّا تركز أحيانا في محادثات بالغة الأهمية لأن جل تركيزك قابع في إيجاد أكثر الكلمات تعبيرا على فكرة باغتتك على حين غفلة فرغبت بتدوينها في مذكرة هاتفك حتى تعود إليها فيما بعد، يعني ألّا تستمتع بأوقات تستوجب الاستمتاع، فقط لأنك منشغل بربط بعض الأفكار، وتحليل بعض المعطيات من أجل صياغة نص ربما قد تشاركه مع أصدقائك عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو عبر منصة للتدوين.

 ربما قد يظل حبيس مذكرتك دون أن يقرأه أحد غيرك، يعني أن تستيقظ من نومة هنيئة، فقط لأن موضوعا معينا قد راودك، فرغبت في تدوين ما استخلصته من أفكار من أجل تدوينتك المقبلة، لأنك إذا لم تفعل قد تستيقظ في الصباح دون أن تتذكر أيا من تلك الأفكار، التي في الغالب لا تأتي إلّا عندما نكون في أشد المواقف جدية. أن تكون ممن تستهويهم الكتابة قد يبدو أمرا متعبا بعض الشيء -خصوصا بعد كل ما ذكر- إلّا أنه ليس كذلك أبدا، فأن تكون ممن يجدون ذواتهم في الكتابة يفتح لك أبوابا تطلّ من خلالها على خبايا كينونتك، لتتعرف بذلك على الجانب الرّقيق في شخصيتك، ويتجسد هذا حين تشعر بأنك تتنفس حرية من خلال تلك الكلمات التي تصوغها.